حرب الطاقة وتوزيع الخسائر والأرباح
التدخلات العسكرية من أفغانستان (2001–2021) إلى العراق (2003–2011) اثبتت أنّ النجاح العسكري لا ينتج بالضرورة استقرارا. حرب اليوم أبعد، لإنها صدمة نظامية تضرب العولمة، ومضيق هرمز "عنق زجاجة" الأزمة الذي يصعب استبداله. إغلاقه وضرب البنى التحتية الطاقوية صدمة أبلغ بكثير من صدمتي النفط (1973،1979)، وبمفاعيل على الخرائط والقواعد، وفي سياق أكثر تعقيدا وتشابكا.
لكنّ الفارق اليوم، هو في توزيع آثار الصدمة. فأميركا أقل تأثراً، لانّ ثورة النفط الصخري جعلتها مصدّراً رئيسياً للطاقة. طبعا سيضغط ارتفاع أسعار البنزين على المستهلك الأميركي ويغذي التضخم، إلا أنّ قطاعات واسعة اخرى من الاقتصاد الأميركي كالطاقة والصناعات الدفاعية ستستفيد.
ستعاني دول أوروبا وآسيا والعالم جراء تداعياتها فترتفع اكلاف الانتاج، وتتآكل القدرة الشرائية، وتتزايد الضغوط على العملات والاقتصادات.
تداعياتها كارثية على دول كلبنان. وقد بدأنا نشهد تراجعا في التحويلات وضغطا على العملة وستتقاطع حتما مع صراعات هوياتنا. حصيلة الاجتياح الإسرائيلي (1982) تهجير ومجازر ونشوء الضاحية والسان سيمون وحزب الله. فما الذي سينتجه اجتياح اليوم، أزوال لبنان ام العكس؟
ما يقلق في صدمة هرمز انها تؤدي الى نقص الإمدادات وارتفاع "علاوة الخوف" (Daniel Yergin,2011) في الأسواق، فالأسعار ترتفع ليس فقط استجابةً للتطورات، بل تحسبًا لما قد يحدث.
وحدها واشنطن نظريا تملك قدرة على الاستثمار في الصدمة وإعادة توجيهها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية مع ربح لروسيا. فالصدمة لن تنتشر بشكل متساوٍ، بل تتبع خطوط الهشاشة البنيوية، والسياسات النقدية، وسلاسل الإمداد. بدأت تنتقل من النفط إلى السماد والغذاء، ومن الأسواق المالية إلى الاقتصادات المحلية.
خطر التضخم الركودي الذي حذّر منه Joseph Stiglitz(2026) يتعاظم. كلفة الإنتاج ترتفع ومعها الأسعار وقدرتنا الشرائية تتراجع والنمو يتباطأ. نجني اقل وننفق أكثر لسد حاجاتنا الاساسية. مما سيطيح بالوظائف والاقتصاد.
صانعو السياسات أضحوا امام تحديات مستحيلة، حيث سيصعب تحقيق التوازن بين الاستقرار والنمو.
المقلق انّ الهدف الحقيقي للحرب مستتر. فالصدمة يراد بها تقويض العولمة لاحتواء تنامي اقتصادات آسيا وضرب أوروبا. وسوف تنتج حتما قواعد ومناطق نفوذ جديدة. لكن قد تتفلت اللعبة أيضا، فتؤذي اميركا بدل ضمان تفوقها. اللعبة ابعد من نتنياهو، ولبنان المهدد وجوديا يعود ساحة.
أخيرا، لن تقاس جدوى الحرب بكلفتها وعائداتها المباشرة، بل بما ستحققه أو تُدمّره من استقرار. لن نسأل "من سيربحها؟"، بل "من سيدفع ثمنها؟".
نبض