ما الأخطر من انكسار الدولة وانتصار الحزب؟
ثمة مفارقة كبيرة باتت تتعاظم في الأيام الأخيرة مفادها أنّ هذه الجولة من الحرب وأكثر من أي وقت مضى تحمل في طياتها مخاطر أنّ أي "انتصار" لـ"حزب الله" سيشكل انكساراً للدولة اللبنانية وعدم احتمال نهوضها مجدداً.
إذ لا يخوض الحزب معركة وجودية ضد إسرائيل فحسب استناداً إلى تماهيه مع تلك التي تخوضها إيران في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل، بل هو يخوضها ضد ما يعتبره محاولة إلغائه حتى في شقه العسكري والأمني من الدولة اللبنانية نتيجة القرارات التي اتخذتها وبحكم أنّ إعادة بنائها لن يتحقق بوجود دويلة شريكة للدولة في قرارها وسيادتها.

لا بل يذهب البعض إلى اعتبار أنّ المعركة الفعلية هي وجودية للحزب داخلياً أكثر منها مع إسرائيل، فيما أنّ ميزان القوة مختلف كلياً مع هذه الأخيرة. الحزب أضعف من السابق حتى لو أوحى بأنّ نبع صواريخه لا ينضب. ولكن طريقة إنهاء الحرب أو انتهائها وتوقيت ذلك بالإضافة إلى عوامل عدة من بينها في شكل أساسي أن يكون الحزب شريكاً لإسرائيل بدلاً من الدولة في تفاهم إطلاق النار أو حتى شريكاً معها بالحد الأدنى بحيث تسمح بتحديد ملامح استثمار "انتصار" أيّا كان نوعه من عدم حصوله بالمطلق.
وفي هذه النقطة بالذات ثمة تناقضات كبيرة في مقاربة طبيعة ما أضحى عليه الحزب وما سيغدو عليه في نهاية الحرب، علماً أنه يجب الأخذ في الاعتبار أنّ التوقعات السابقة بمدى ضعفه وعدم قدرته على الرد أثبتت عدم صحتها.
الدولة وهنت على نحو خطير بفعل استهانة الحزب بالحكومة اللبنانية وتجاوزها لمصلحة قرار اقليمي باستخدام لبنان ساحة إلهاء عن تركيز الحرب الاسرائيلية على إيران، وباتت في مأزق خطير وخيارات حرجة إذ هي أقدمت على تنفيذ قراراتها وإذ هي تراجعت أو أحجمت عن تنفيذها.

ومعركة كسر العظم التي يخوضها الحزب يعتبر حلفاء له أنّه ينجح في تحقيق خطوات فيها، إذ أعاد تشكيل دعم بيئته من حوله التي وإن كانت حملت الحزب مسؤولية أخذها إلى الحرب مجدداً في الأيام الأولى، فإنّها سرعان ما عادت لتشكل دعماً له في ضوء "المقاومة" التي يعلن أنّه يخوضها في القرى الحدودية تزامناً مع جيوش إلكترونية تشن حملات على أركان السلطة لا سيما رئيسي الجمهورية والحكومة.
وهذا الدعم يشكل حاجزاً إضافياً يحول دون اتخاذ الدولة خطوات لتنفيذ القرارات التي اتخذتها لجهة حظر الشق العسكري والأمني للحزب، أو تنفيذ خطة الجيش في حصرية السلاح. وهذا غير إمساك الحزب أو إيران بورقة قرار وقف النار وعدم إمكان السلطة بيعها حتى الآن في خضم مساعيها لوقف النار أو إرساء هدنة، بحيث يظهر تعنت الحزب أقله علنا باعتبار أنه حاول في كل مراحل إنهاء الحروب السابقة أنه قوي وقادر حتى اللحظة الأخيرة، حتى في ظل مساعيه الضمنية لوقف النار بأي صيغة ممكنة.
وفي الوقت نفسه يخشى كثر أن سعي اسرائيل لإعادة فرض منطقة عازلة في جنوب لبنان من شأنه أن يقدم خدمة للحزب، فيما أنه يضعف أكثر الدولة اللبنانية ويساهم في تقويض قدراتها. وفي المرحلة السابقة قبل الحرب، ينبغي الاعتراف أن عدم توقع حصولها كان أمرا وهمياً لا بل كاذباً. كان يغلب لدى المراجع الرسمية قول تحاول أن تقنع به الحزب من أن تعنته في التعاون مع الدولة اللبنانية في حصرية السلاح سيعني حكماً اختياره أن يواجه إضعافه مجدداً من اسرائيل.
كان هذا الكلام ترداداً لكل الرسائل التي نقلها كل زوار لبنان في الأشهر الأخيرة، فيما ساد في الوقت نفسه تسليم رسمي بحكم الأمر الواقع أن حرباً اسرائيلية في حال وقوعها ستكون في أي حال اقل وطأة على لبنان من حرب داخلية أو أهلية محتملة، فيما أنه يمكن تجنب تحمل وزر مثل هذه القرارات غير الشعبية في مطلع عهد جديد يتطلع الى نقل لبنان الى مرحلة اعادة البناء.
ويصعب الحكم منذ الآن بشأن ما إذا كان هذا التقدير حيال هذا المسار في محله أو كان خاطئاً. وهو لن يكون التقدير او التقويم الخاطىء الوحيد، فيما أن مراجعة موضوعية للأشهر السابقة وما فات السلطة والبعض يقول الجيش اللبناني ومخابراته من معلومات او معطيات عن طبيعة استعدادات الحزب وقدراته، وهي غير التساؤلات التي باتت تطرح حول السيطرة على جنوب الليطاني، ستؤدي إلى إعادة نظر حتمية وربما الى تغييرات في السلطة.
لكن مراقبين ديبلوماسيين يعتقدون أنّ استخلاص توقعات او نتائج في الوضع اللبناني سيبقى سابقاً لأوانه وغير دقيق تماماً قبل حسم نتائج الحرب مع إيران، وما يمكن ان يفضي اليه اي اتفاق على نحو يعيد صياغة طبيعة الدور الإيراني ومداه، وما إذا كان لا يزال ممكناً على شاطىء المتوسط أم لا وانعكاس ذلك على حزب الله.
نبض