ترامب أسير الصّورة الذّهنية التي صنعها لنفسه
ليس سهلاً الدخول إلى عقل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا يمكن توقع ردود فعله ومواقفه وقراراته. ليس رجلاً نمطياً ولا ينتمي إلى طينة أي من الرؤساء الأميركيين في العقود الأخيرة وإن كان العالم عرف نماذج "غريبة" من الحكام على مر التاريخ. يختلف ترامب عن جو بايدن المتردد وعن جورج بوش الجاهل الكذاب وعن باراك أوباما المثقف الأنيق، ولا يتفق مع بيل كلينتون إلّا في مغامراتهما النسائية وسمعتهما السيئة. لكنه يتفق معهم جميعاً في تبنيهم سياسة الدولة الأميركية العميقة التي تعتبر إسرائيل ولاية أميركية مدللة.
أظهرت ولاية ترامب الأولى جانباً من شخصيته الفريدة وأفكاره التي بدت غريبة على المجتمع السياسي الأميركي وعلى السياسة الدولية عموماً. الولاية الثانية تحرره من هاجس المسايرة وكتم الأفكار والمشاعر وتطلق العنان للسانه السليط ولقراراته التي أثارت سخط الصديق قبل العدو.
وتكشف الحرب على إيران جوانب أخرى، والأرجح أن العالم سيظل يشهد تحولات هذه الشخصية ما دامت هي في الحكم، لأن بعد الخروج سيكون من الصعب التكهن بما ستكون عليه. هل يذهب إلى النسيان كجو بايدن وجورج بوش (الأب والابن) أم يظل يثير الجدل أم يذهب إلى محاكمة ما يتربص له بها خصوم كثيرون؟
يصف كثيرون ترامب بأنه ثرثار يكثر من الكلام ويكرر الفكرة نفسها مرات عديدة ويناقض نفسه أكثر من مرة في الخطاب الواحد ويقول أشياء غير مفهومة وحمالة أوجه وتفسيرات. ظهر ذلك جلياً في خطاباته التمهيدية للحرب على إيران التي تضمنت مواقف "سويعاتية" ومحيرة تراوحت بين رغبته في التفاوض والسلام وفي الحرب الساحقة الماحقة. لكن كل هذه الصفات هي جزء من شخصية مركبة ذات رؤية ومشروع يستند إلى إرث الجماعة الدينية - من دون أن يكون متديناً ملتزماً بالضرورة _ وإلى طموح يحاكي الحلم بالسيطرة والعظمة التي سيخلدها التاريخ كما يعتقد الرئيس البالغ ثمانين عاماً.
يحب ترامب الكاميرات والميكروفونات كثيراً وهي تحبه، يتفاعل معها ومع أصحابها، يتودد ويساير ويهاجم وينتقد، كل ذلك من أصول اللعبة التي يجيدها منذ كان هاوياً لحلبات المصارعة الحرة الترفيهية وصديقاً مفتوناً بأبطالها التافهين.
يحب ترامب أن يثير الجدل ويلفت الانتباه فيتصدر نشرات الأخبار والعواجل. لا يترك مجالاً واسعاً لمعاونيه، يتصدى بنفسه لإعلان المواقف وشرح الأوضاع. ثقته الكبيرة بنفسه تضعف ثقته بمعاونيه. يستغرق في الشرح والاستطراد ليمكث أطول وقت على الشاشة حتى لو بعث ذلك على الملل. يستند إلى نظرية المطرقة في الإقناع: إضرب إضرب إضرب حتى يلين رأس المتلقي (أو ينكسر) ويتقبل الفكرة.
يخوض ترامب بنفسه الحرب الإعلامية والنفسية على إيران، ليس طارئاً على هذا المجال فهو لطالما كان لاعباً ماهراً في ملاعب الميديا، من التلفزيون إلى الإعلام الحديث الذي يجيد استخدامه. خطابه مباشر ومكرر لكنه مشحون بالمعاني، ولو على طريقة السهل الممتنع. ليس عبثاُ ولا قلة معرفة وثقافة استخدام ترامب ما نسميه في بلادنا "عنتريات". إنه يستخدم لغة شعبوية، لكن قوية. يطلق عبارات مثل سندمر، سنبيد، سننتصر، قتلنا، أزلنا... كلمات ترسخ في الأذهان وسهلة الاستخدام والانتشار. يكرّس ترامب صورة ذهنية عن قوة أميركا، لكن قبل ذلك عن قوته الشخصية، فهو الذي يمتلك القوة والقرار وقوة أميركا تكاد تكون مستمدة من قوته، فهي قبله كانت ضعيفة وها هو يعيد مجدها. وبالتأكيد هذا ادعاء مخادع، فأميركا لم تكن دولة عالم ثالث قبل أن يرسله الله لإنقاذها. هو قالها، الله أرسله لإنقاذ أميركا.
لم تشن إيران الحرب على أميركا ولن تشنها أبداً، لكن ترامب يصر على أن إيران كانت تصنع صواريخ تصل إليها وأنها ستهاجمها يوماً، يحاول أن يقنع الأميركيين بأنه لا يشن الحرب من أجل إسرائيل. لا يهتم المواطن الأميركي العادي بالكلام الكبير والاستراتيجي عن ممرات التجارة الدولية وعن طرق الحرير والهند وأوروبا وسور الصين العظيم، فاخترع ترامب هذه الفرية، وأرفقها بتهشيم صورة إيران وإضعاف معنوياتها بعدما كان قد ضخّم خطرها، وزرع بذور الشقاق بين شرائح شعبها، في مقابل خطاب دفاعي لإيران يستخدم خطاباً مقيداً بأيديولوجيا صارمة وأدوات محدودة في ظل صورة نمطية للبلاد لا تتغير وقادة وإعلاميين يبدون من زمن غابر.
مجريات الحرب وعدم انهيار إيران كما توقع ترامب وصديقه نتنياهو تهز الصورة "القوية" للرئيس الأميركي وتضرب اعتداده بنفسه وبقوة أميركا التي لا تقهر ركني خطابه الثابتين، وربما هذا ما قد يدفعه أكثر إلى تصعيد خطابه وحربه، فليس سهلاً على شخص مثله تقبل عدم النصر الحاسم الذي وعد به رغم كل براغماتيته.
نبض