الولايات المتحدة تخوض حرباً مع إيران الدولة الأكثر عزلةً في العالم!
أدّى الغموض الذي أحاط به ترامب أهدافه في حربه الدائرة على إيران الإسلامية الى تعظيم هامش مناورته وحرية تعريف ما يُعدّ نجاحاً، فيما أبقى الآخرين في دائرة الضبابية. فقد أحجم ممثلو إدارته عن الظهور في البرامج الحوارية وما شابهها فيما تركت تصريحاته حول منح الشعب الإيراني فرصة صنع مستقبله العالم في حيرة. هل تسعى الولايات المتحدة فعلاً الى تغيير النظام؟ هذا السؤال طرحه على نفسه دينيس روس صاحب الخبرة الواسعة جرّاء خدمته في إدارات أميركية متعاقبة وتعاطيه مع مساعي السلام في الشرق الأوسط ولا سيما بين العرب وإسرائيل، كما جرّاء انصرافه الى البحث بعد ذلك كله، فأجاب عنه بالآتي: تقول الحكمة التقليدية أن تغيير النظام باعتماد الغارات الجوية وحدها من دون قوات برية على أرض المعركة يكاد يكون مستحيلاً. وقد دأبت الولايات المتحدة وإسرائيل على استهداف منظومة قيادة الجمهورية الإسلامية عبر ضربات طالت مواقع "الحرس الثوري" و"قوات الباسيج" في أنحاء البلاد بهدف إضعاف المؤسسة العسكرية واستفزاز ولاء عناصرها. بيد أن تساؤلات جوهرية تبقى عالقة حول الغاية النهائية من "حملة تغيير النظام" ومدى جدوى بلوغها في الأفق المنظور. قد يكون البديل الأكثر واقعية إضعاف النظام لا إسقاطه، إذ يمكن أن يضطر جعل الجمهورية الإسلامية هشّة وعاجزة عن تهديد المنطقة كبار مسؤولي النظام فيها إلى مراجعة سلوكهم على غرار ما شاهدته فنزويلا أخيراً. وقد بدأ بعض النخب الإيرانية يتساءل بعد حرب حزيران 2025 عن جدوى استراتيجية المرشد الأعلى القائمة على ضخ استثمارات ضخمة في الوكلاء الإرهابيين وبرامج البنية التحتية النووية. وقد تعمّقت في إضعاف النظام التصدعات الداخلية الأمر الذي يهيئ الأرضية لتغيير مواقف طهران عبر التوصل الى صفقة مع أي قيادة ناشئة تبدي استعداداً لتقديم تنازلات مقبولة من ترامب.
إن استراتيجية إضعاف النظام قد تتيح للبيت الأبيض الخروج منفرداً من الحرب معلناً انتصاراً واسعاً. انتصارٌ يتمثل في إيقاع الثمن الباهظ بالنظام جرّاء مجازر في حق المحتجين، وفي كسر قدرته على تهديد المنطقة. في هذا السيناريو يستطيع ترامب التلويح بثمن أشدّ وطأةً إن حاولت طهران مواصلة العداء بعد أن يأمر قواته الأميركية بوقف عملياتها. أكبر أخطار هذا النهج ليس استمرار إيران في القتال بل إحتمال شن حملة قتل جماعي جديدة ضد الشعب الإيراني إذا هبّ لاستثمار استغلال وهن النظام. وعلى ما يبدو وقعت طهران في خطأ تقديري جسيم حين هاجمت دول الخليج، إذ أملت أن يدفع ذلك السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت الى الضغط على ترامب لوقف الحرب. لكن هجومها على الدول المذكورة أسفر عن نتيجة معاكسة هي وقوع إيران في العزلة وتلاحم الخليج في مواجهة النظام الإيراني. كانت المحصّلة تعزيز احتمالات التكامل الإقليمي وإثبات قيمة الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة، وجعل ترامب مستعداً لاستخدام القوة الصارمة مع روسيا والصين وهما طرفان متشابهان بالشرق الأوسط. وإن كانت إيران تبحث عن مخرج من الحرب فقد تلجأ إلى موسكو وسيطاً. ربما يكون لفلاديمير بوتين رئيسها مصلحة فعلية في استعادة حضوره الإقليمي وإنقاذ نظام حليف وعرض مخرج على واشنطن. إلا أنه سيكون مضطراً الى انتزاع تنازلات يراها ترامب ذات قيمة حقيقية.
ما أبرز سمات الحرب الدائرة منذ أكثر من أسبوعين بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران الإسلامية من جهة ثانية. يقول الدكتور روبرت سكاتلوف المسؤول الأول عن "معهد واشنطن" للأبحاث جواباً عن هذا السؤال: أبرز السمات أنها تجسّد أرفع صور التعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي على الإطلاق، إضافةً الى القرار الأميركي التاريخي للاشتراك في عملية هدفها الاغتيال السياسي لقائد دولة خصم وهو خامنئي. لقد رسم الرئيس ترامب منظومة أهداف متشعبة تبدأ من تدمير بقايا البرنامج النووي وصولاً إلى تغيير النظام الأمر الذي سيتيح له فرصاً وافرة للإعلان عن نصر حين يشاء. وضمن السيناريوات العديدة المطروحة يبرز التساؤل: كيف سيتصرّف ترامب إن بلغت الأمور حداً يلبّي فيه الشعب الإيراني نداءه لاستعادة بلاده؟ هل سيمدّه بدعم عملياتي أي غطاء جوّي لصون أرواحه من الضربات الانتقامية للنظام؟ أم يتركه لمصيره كما فعل الرئيس جورج بوش الأب عام 1991 مع شعب العراق؟ من العناصر المفاجئة في هذا النزاع في استراتيجية طهران تدويل الصراع منذ الساعات الأولى. فقد دخلت الجمهورية الإسلامية هذه الحرب بوصفها الدولة الأكثر عزلةً في العالم، وليس ثمة حليف يقدّم لها دعماً ملموساً ثم فاقم قادتها وضعهم بمهاجمة دول في المنطقة فحوّلوا حكومات آثرت البقاء على الحياد خصوماً، وباتت مساعي تنسيق عربي - إسرائيلي ضد عدوٍّ إيراني مشترك ناجحة بعدما كانت ضرباً من المستحيل. وهذه حقيقة يتداولها الجديون. وتلاشت حدة التوترات السعودية - الإماراتية وإن موقتاً وتجلّى ذلك في بيانهما المشترك المندّد بالهجمات الإيرانية، فيما طالب لبنان باستئناف المفاوضات مع القدس في أعقاب قيام "حزب الله" بالانضمام الى الحرب بإطلاق صواريخه على شمال إسرائيل. ورغم أن الحرب في أيامها الأولى فإن الأحداث تتسارع بإيقاع متدفق. فقبل أسبوع واحد تفاخر الرئيس ترامب في خطاب "حال الاتحاد" بتراجع أسعار الوقود.
وهو الآن في سباق مع الزمن للحيلولة دون أن تقلب الحرب هذا الإنجاز رأساً على عقب، ودون أن تُلحق أضراراً بعيدة المدى بالاقتصاد الأميركي ولا سيما مع اقتراب الانتخابات النصفية. وإن كان خوض حرب ساخنة طويلة المدى تجربة جديدة على إدارة ترامب ومكلفة سياسياً فثمة احتمال حقيقي بأن يضع ترامب حداً لها ويُعلن النصر في أول لحظة يُحقّق فيها هدفاً محدّد المعالم يستطيع تقديمه إنجازاً للرأي العام في بلاده.
نبض