.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في الذكرى السنوية الأولى لطلب المبعوثين الأميركيين السابقين إلى لبنان، مورغان أورتاغوس وتوم برّاك، من لبنان الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وافقت السلطة اللبنانية على هذا الطرح.
عندما طرحت الإدارة الأميركية هذا المطلب قبل عام، رفضته السلطة اللبنانية رفضاً قاطعاً، الأمر الذي دفع برّاك إلى وصف المسؤولين اللبنانيين بـ«الديناصورات»، في إشارة إلى أنهم يعيشون في الماضي وغير قادرين على التكيّف مع التحولات الإقليمية والدولية.
لكن في مكان ما، تبدو الموافقة اللبنانية اليوم على الطرح القديم – على الرغم من تاريخية الخطوة، إذ إنها غير مسبوقة – وكأن الزمن سبقها أيضاً. ففي دوائر القرار الغربية والإسرائيلية يبرز تشكيك واسع في قدرة السلطة اللبنانية على الإيفاء بتعهداتها، مهما كانت محدودة، ما دام "حزب الله" يحتفظ بسلاحه ويملك حرية الحركة وقرار الحرب.
حتى الفرنسيون، المعروفون بحماستهم التقليدية لدعم لبنان والحفاظ على ما تبقى لهم من نفوذ فيه، لا يخفون قلقهم من قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ أي التزامات.
فالمبعوث الشخصي للرئيس الفرنسي إلى لبنان، جان-إيف لودريان، تحدث قبل أيام على التلفزيون الفرنسي عن إمكان حصول مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل. وعلى الرغم من الحماسة التي أظهرها، والتي تعكس موقف الرئيس إيمانويل ماكرون، فإن كلامه بدا مشروطاً بإجراءات ميدانية تمنح أي مسار تفاوضي أرضية من المصداقية.
وقد رسم لودريان خريطة طريق واضحة للوصول إلى تلك المرحلة، قائلاً إن حل المشكلة «يمرّ أولاً عبر إعلان "حزب الله" أنه لن يقوم بعد الآن بأي نشاطات عسكرية، سواء في الخارج أم في الداخل. ومنذ تلك اللحظة ستباشر الحكومة اللبنانية تنفيذ عملية استعادة الأسلحة وتخزينها والعمل على جعل هذا القرار نافذاً وفعّالاً. وبعد ذلك يمكن التفكير في الدخول في مفاوضات مع إسرائيل، التي يمكنها عندئذٍ أن تقدّم تنازلات وأن توقف الضربات».
غير أن هذه القراءة الفرنسية لا ترفضها إسرائيل من حيث المبدأ، بل إن بعض دوائر القرار فيها ترى أنها تتقاطع مع مصالحها في نهاية المطاف. لكن الاعتراض الإسرائيلي يتركّز على الاستدراكات التي تلتها، أي على فكرة ترك تنفيذ هذه الخطة للسلطة اللبنانية. فإسرائيل مقتنعة بأن مصلحتها لا تكمن في انتظار قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ تعهداتها، بل في أن تتولى بنفسها مهمة «خلخلة» حزب الله وفرض واقع جديد على الأرض، قبل الانتقال إلى أي مسار سياسي لاحق.
فإذا كان الفرنسي يرى مصلحة لإسرائيل في وقف الحرب والقبول بخارطة الطريق التي يقترحها، ويبدي لبنان استعداده للسير بها، فإن الاعتقاد السائد في إسرائيل هو أن السلطة اللبنانية، التي ينظر "حزب الله" إلى القائمين عليها بوصفهم «مجموعة مهرجين»، لن تتمكن من التحرك الفعلي مهما كانت نياتها إيجابية.
ولهذا يفضّل الإسرائيليون القيام بالمهمة بأنفسهم في المرحلة الأولى، من خلال فرض واقع ميداني جديد يقوم على إنشاء منطقة أمنية معزولة بالكامل في جنوب لبنان، بما يؤمّن حماية مباشرة لمستوطنات شمال إسرائيل. وبعد ذلك، وفي حال تراجع "حزب الله" أو اضطر إلى الانكفاء، يمكن ترك المجال للسلطة اللبنانية كي تواصل المهمة بنفسها، ولكن تحت أنظار إسرائيل وتحت ضغط النار.
وبناءً على هذا التصور، بدأ الجيش الإسرائيلي بالفعل تنفيذ توغلاته في عمق جنوب لبنان، مع تعليمات واضحة بمسح البنية التحتية العسكرية في منطقة تمتد إلى نحو سبعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بحيث تتحول هذه المنطقة، وفق التصور الإسرائيلي، إلى حزام أمني معزول لا يمكن العودة إليه عسكرياً في المستقبل.
وتعكس هذه الخطوات الميدانية القناعة المتزايدة في إسرائيل بأن أي تسوية سياسية يجب أن تأتي بعد تغيير موازين القوى على الأرض، وليس قبل ذلك. ولذلك لا تُرفض المبادرة الفرنسية علناً في تل أبيب، لكنها لا تحظى أيضاً بالحماسة نفسها التي تبديها باريس.
وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول كبير قوله إن الطريق الوحيد لضمان الهدوء في الشمال يمر عبر السيطرة الواسعة على أراضٍ في جنوب لبنان، لا عبر وقف إطلاق النار.
وفي موازاة التحرك العسكري، يعمل المستوى السياسي في إسرائيل على التحضير للمرحلة التالية. فقد كلّف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر إدارة ملف لبنان، في خطوة تعكس رغبة في إعداد هذا الملف لمفاوضات قاسية في مرحلة لاحقة.
ويُعد ديرمر من أكثر الشخصيات المقربة من نتنياهو، وقد اكتسب خبرة تفاوضية واسعة خلال إدارته لملف المفاوضات حول غزة، وهو ملف كان أكثر تعقيداً بالنسبة إلى إسرائيل بسبب قضية الرهائن وما أحدثته من انقسامات داخلية حادة. وفي المقابل، ترى دوائر القرار في إسرائيل أن هذه الإشكالية غير موجودة في الساحة اللبنانية، ما يمنحها هامشاً أوسع في إدارة المواجهة والتفاوض لاحقاً.
بين الطرح الفرنسي الذي يسعى إلى فتح مسار سياسي سريع، والتفكير الإسرائيلي الذي يضع الأولوية لتغيير الواقع الميداني أولاً، تبدو فكرة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل معلّقة بين زمنين مختلفين: زمن الديبلوماسية وزمن الحرب.
ولهذا قد لا يكون السؤال المطروح اليوم ما إذا كانت المفاوضات ستُعقد، بل متى؟ فبالنسبة إلى كثيرين في إسرائيل، لن تبدأ المفاوضات إلا بعد أن تنتهي المرحلة العسكرية وترسم على الأرض حدوداً جديدة للقوة.