إلى أين تسير إيران؟
تدخل إيران اليوم مرحلة مفصلية في تاريخها السياسي، في ظل حرب مفتوحة تقودها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضدها، وهي مواجهة تتشابك فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتطرح سؤالاً متزايداً: إلى أين يتجه النظام الإيراني في ظل هذه التحولات المتسارعة؟
تشير التطورات الأخيرة إلى أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة من الصراع، حيث لم تعد المواجهات مجرد توترات أو عمليات محدودة، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الإيراني على الاستمرار في إدارة أزمات متراكمة. ومع اتساع دائرة المواجهة، بات واضحاً أن كلفة هذه السياسات لا تتحمّلها إيران وحدها، بل تمتد آثارها إلى دول الجوار التي تجد نفسها مضطرة للدفاع عن أمنها واستقرارها الاقتصادي.
لقد حاولت إيران خلال السنوات الماضية بناء نفوذ إقليمي واسع مستخدمة أدوات متعددة، من بينها الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تزويدها ميليشيات في مختلف الدول العربية بهذه القدرات. غير أن الأحداث الأخيرة كشفت أن هذه الاستراتيجية تواجه اليوم تحديات كبيرة، خصوصاً عندما تصطدم بمنظومات دفاع متطوّرة وإرادة سياسية حازمة لدى الدول المستهدفة. فقد تمكنت بعض دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، من اعتراض الغالبية الساحقة من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت أراضيها، وهو ما حدّ من قدرة تلك الهجمات على تحقيق أهدافها العسكرية أو الاقتصادية.
ويبدو أن إيران حاولت من خلال ضرب دول الجوار الضغط على هذه الدول كي تمارس بدورها ضغطاً على الولايات المتحدة، في محاولة لتخفيف حدة المواجهة. غير أن هذه القراءة كانت خاطئة لحقيقة الموقف في المنطقة، إذ إن العديد من هذه الدول كانت في الأصل تسعى إلى تجنيب المنطقة اتساع دائرة الحرب، والعمل على احتواء التوتر عبر التفاهم والحوار بدل الانزلاق إلى المواجهة. إلا أن استهدافها المباشر ترك جرحاً عميقاً في علاقات كان يُراد لها أن تبقى بعيدة عن منطق القوة والصراع.
وإلى جانب المواجهة العسكرية، يلوح في الأفق مسار قانوني دولي قد يضيف بعداً جديداً للأزمة. فالدول التي تعرّضت لأضرار نتيجة هذه الهجمات تملك الحق في المطالبة بتعويضات عن الخسائر الاقتصادية والبنية التحتية التي تضررت، وذلك عبر اللجوء إلى المحاكم الدولية المختصّة. مثل هذه الخطوات قد تعني أن تبعات الحرب لن تتوقف عند حدود المواجهة العسكرية، بل قد تمتد لسنوات طويلة من المطالبات القانونية والاقتصادية.
وفي الداخل الإيراني يظهر تناقض ملحوظ في التصريحات الصادرة عن بعض المسؤولين. ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة إرسال رسائل تهدئة عبر القنوات الديبلوماسية، تصدر عن جهات عسكرية مثل الحرس الثوري مواقف أكثر تشدداً وتصعيداً. هذا التباين يعكس طبيعة النظام الإيراني الذي يقوم على تعدّد مراكز القرار، لكنه قد يكون أيضاً مؤشراً إلى حجم الضغوط التي يواجهها في ظل الحرب والتداعيات الاقتصادية المتزايدة وربما بداية تصدعات داخل المنظومة.
الحروب لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال بل أيضاً بما تتركه من آثار طويلة الأمد على العلاقات بين الدول والشعوب. وما يزرعه النظام الإيراني اليوم من توتر وكراهية مع جيرانه قد يترك آثاراً عميقة في الذاكرة السياسية للمنطقة، فالثقة التي تُهدم تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة بنائها.
قد لا تكون نهاية هذا المسار قريبة، فالصراعات الكبرى غالباً ما تمتد قبل أن تصل إلى نقطة التحوّل. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن إيران قد تكون أمام مرحلة تغيّر عميق في الداخل الإيراني وفي موقعها الإقليمي. فالدول التي تتسبب بخسائر لجيرانها وتزعزع استقرار المنطقة تجد نفسها في نهاية المطاف مضطرّة لدفع ثمن تلك السياسات سياسياً واقتصادياً.
اليوم تبدو الحاجة ملحّة لظهور أصوات عاقلة داخل إيران، أصوات تدرك أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى على استمرار الصراع مع محيطها. إن إنقاذ إيران من مسار المواجهة الدائمة قد يكون مسؤولية النخب السياسية التي تدرك أن استقرار المنطقة ليس خياراً ثانوياً بل شرط أساسي لازدهار شعوبها جميعاً.
فالتاريخ يثبت أن الدول التي تختار طريق التوتر الدائم مع جيرانها قد تكسب معارك مؤقتة لكنها في النهاية تخسر المستقبل. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل يدرك صنّاع القرار في طهران هذه الحقيقة قبل فوات الأوان؟
نبض