خامنئي الثاني وسلطة الحرس
مقتل علي خامنئي، المرشد السابق، لم يُسقط النظام، لكنه كشف سؤال السلطة داخله. الضربات الأميركية-الإسرائيلية أضعفت القدرات العسكرية ومراكز القيادة، لكنها لم تصنع بديلاً ولا انتقالاً منظماً حتى الآن. ومع صعود مجتبى خامنئي، المرشد الجديد، يصبح السؤال من يحكم إيران؟ وما شكل الدولة التي تتشكل بعد الحرب؟
الفرق الآن ليس في توصيف الحرب، بل في الهدف منها. إسرائيل ترى أن بقاء الجمهورية الإسلامية يعني بقاء التهديد الوجودي، لذلك تدفع باتجاه كسر النظام أو شلّه جذرياً. أما واشنطن فتتعامل مع إيران ضمن حسابات عالمية أوسع، وتريد نتائج محددة قابلة للإعلان سريعاً عبر ضرب ما تبقى من القدرات النووية والصاروخية وتقليص قدرة طهران على تهديد الملاحة والطاقة.
المسار الأول داخل إيران هو تماسك مؤسسي مُدار. الدولة لا تقوم على شخص واحد، بل على شبكة مؤسسات بُنيت منذ 1979 لتأمين الاستمرارية وامتصاص الصدمات. في هذا المسار تُدار مرحلة ما بعد خامنئي بترتيبات انتقالية وتفاهمات داخل الدوائر الحاكمة.
المسار الثاني هو صعود دولة أمنية أوسع. هنا يتحول الحرس الثوري من شريك قوي إلى مركز القرار الفعلي، فيما يُستخدم موقع المرشد لتأمين الغطاء السياسي والديني وتماسك القاعدة المؤيدة للنظام. واختيار مجتبى خامنئي، بوصفه ابن المرشد السابق، يمنح الانتقال طابعاً وراثياً واضحاً داخل نظام قام أصلاً ضد الوراثة. لكن أثر الحرب يدفع نحو الأمن وتشديد القبضة، لا نحو انفتاح سياسي.
المسار الثالث هو الفوضى وتفكك السيطرة. لا لأنه خيار مفضل لأحد، بل لأنه الاحتمال الأخطر إذا اجتمعت ضغوط الاقتصاد مع وطأة الحرب. عندها قد تتسع اللامركزية داخل الأجهزة الأمنية، وتتحول المحافظات البعيدة عن المركز مثل كردستان وبلوشستان وخوزستان إلى مساحات رخوة تتنازعها الولاءات والسلاح، وتظهر ملامح أمر واقع محلي خارج القرار المركزي.
مجتبى خامنئي يدخل المشهد بوصفه خياراً اضطرارياً في زمن حرب أكثر منه اختياراً دينياً تقليدياً. هو استمرارية تُستخدم لشدّ عصب الداخل ورسالة تحدٍ للخارج، لكن صورته ما زالت ملتبسة؛ حضوره محدود، وخطابه الأول جاء أقرب إلى نصّ مُدار منه إلى قائد يظهر ويتحمل المشهد. المضي في التشدد يرفع كلفة الاستهداف على النظام، والذهاب إلى مساومة يحتاج غطاء الحرس الثوري الذي ينظر إلى الحرب بوصفها أداة لإعادة ترتيب السلطة والثروة قبل أي تسوية.
مضيق هرمز دخل كعامل ضغط مباشر في حسابات الحرب. إيران قد لا تُغلقه، لكنها تستطيع تعطيل الملاحة جزئياً بما يرفع أسعار الطاقة ويضاعف كلفة التأمين والشحن ويضع القرار الأميركي تحت ضغط الأسواق. وإلى جانب هرمز تبقى جزيرة خرج حاضرة في الحسابات الأميركية بوصفها شريان تصدير النفط الإيراني، أي نقطة ضغط مالية يمكن استخدامها إذا طال أمد الحرب أو تعثر مخرجها السياسي.
الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والجوار تعكس محاولة نقل كلفة الصراع إلى دول لا تشارك فيه أصلاً. الهدف ليس تغيير ميزان المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، بل رفع الفاتورة الاقتصادية والسياسية على المنطقة لدفعها إلى الضغط باتجاه إنهائه. لكنها عملياً تهدم ما تبقى من الثقة الإقليمية، وتدفع دول الجوار إلى تسريع ترتيبات دفاعية وأمنية مشتركة، وتثبيت قناعة بأن إيران تتعامل بعقلية ابتزاز لا بعقلية دولة. الجغرافيا لا تتغير، ودول الجوار ستبقى بعد انتهاء الحرب، لذلك لن تنجح سردية “استهداف القواعد لا الدول” حين تكون المدن والمنشآت المدنية والبنى التحتية الحيوية هي المستهدفة.
إيران بعد خامنئي تقف على خيارين، فإما إعادة التموضع كدولة طبيعية تعيد ترتيب أولوياتها من الداخل وتراجع سلوكها الإقليمي، وإما تشددٌ أمنيّ أعمق تقوده سلطة الحرس تحت عنوان حماية النظام. وقف إطلاق النار - إن حصل - سيوقف النزيف، لكنه لن يحسم مسألة السلطة ولا اتجاه الدولة. الحسم سيأتي فقط عندما يفرض الداخل الإيراني صيغة حكم قابلة للحياة، أو عندما تُفرض على النظام ترتيبات تقيّد قدرته على تهديد الجوار والملاحة والطاقة.
حتى ذلك الوقت، دول الخليج ستتعامل مع إيران المقبلة بمنطق الردع والوقاية وبناء الشراكات، لأن تجربة الحرب أثبتت أن أمن المنطقة لا يُدار بالوعود، بل بالقدرة على منع التهديد قبل أن يصل.
نبض