النقائض اللفظية في خطاب مجتبى خامنئي
في كثير من الخطابات السياسية، خاصة تلك التي تصدر في أوقات الأزمات أو الحروب، تبرز ظاهرة لغوية لافتة يمكن وصفها بـ"النقائض اللفظية"، أي الجمع بين معنيين متعارضين أو متناقضين في السياق نفسه. والغاية من هذا الأسلوب غالباً ليست لغوية فحسب، بل سياسية أيضاً، إذ يُستخدم لخلق صورة مزدوجة، خطاب يبدو أخلاقياً أو سلمياً في الظاهر، بينما يحمل في جوهره لغة التهديد أو التعبئة.
لا أحد يعرف على وجه التحديد من كتب ذلك الخطاب ولماذا قرئ من مقدّم برامج، بدلاً من الشخص نفسه، وفي أغلب التحليلات أن ذلك الخطاب هو خطاب الحرس الثوري، مما يفصح عن خلاف في رأس الهرم السياسي الإيراني، بين تشدد ومصالحة! ما يعنينا قراءة وتفكيك الخطاب الذي أعلن.
الكلمة المنسوبة إلى المرشد الإيراني الجديد مثال واضح على هذا الأسلوب. النقائض اللفظية في الخطاب، رغم طوله وكثافة مفرداته الدينية والسياسية، تكشف عند تفكيكه عن سلسلة من المفارقات أو النقائض اللفظية، التي تعكس التوتر بين الرسالة المعلنة والهدف السياسي الكامن.
أولى هذه النقائض تظهر في الجمع بين لغة التواضع الشخصي ولغة السلطة المطلقة. فالخطاب يبدأ بعبارات تواضع شديدة مثل قوله: "هذا العبد" و"نفسي الحقيرة". غير أن هذا التواضع اللفظي يترافق في الوقت نفسه مع موقع سياسي يمنح صاحبه سلطة شبه مطلقة على الدولة والمجتمع. هنا تتحول مفردات التواضع إلى أداة بلاغية، إذ يظهر المتحدث بمظهر الزاهد في السلطة، بينما يمارسها في الواقع بأقصى درجاتها الشمولية.
النقيضة الثانية تظهر في الحديث عن "الجمهور والجمهورية" مقابل مركزية القرار. فالخطاب يشيد بدور الشعب ويقول إن القادة السابقين "أدخلوا الناس في جميع الساحات" وأن "الشعب هو من قاد البلاد". لكن هذا التمجيد للدور الشعبي يأتي في نظام سياسي يقوم في جوهره على سلطة دينية مركزية، والآن أصبحت وراثية حيث القرار النهائي بيد القيادة العليا لا بيد المؤسسات المنتخبة. وهكذا يصبح مفهوم "الجمهورية" في الخطاب أقرب إلى رمز تعبوي منه إلى ممارسة سياسية فعلية.
النقيضة الثالثة تتجلى في الجمع بين الدعوة إلى الوحدة والسلام، وبين لغة التصعيد العسكري. ففي جزء من الخطاب يؤكد المتحدث ضرورة الحفاظ على "وحدة أبناء الشعب" والتغاضي عن الخلافات، بل يتحدث عن الرغبة في "علاقات دافئة وبنّاءة مع جميع الجيران". غير أن الخطاب نفسه يتضمّن تهديدات واضحة، مثل الدعوة إلى الاستمرار في "إغلاق مضيق هرمز" أو فتح "جبهات أخرى" في الحرب. هكذا يجتمع في النص خطاب الصداقة مع الجيران، مع خطاب المواجهة العسكرية.
أما النقيضة الرابعة فتظهر في الجمع بين نفي الهيمنة، والتصرّف بوصفه قوة مهيمنة. فالخطاب يقول بوضوح إن النظام "لا يسعى إلى الهيمنة أو الاستعمار في المنطقة"، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن "جبهة المقاومة" بوصفها منظومة إقليمية عابرة للحدود تقودها طهران، ويعدّد أطرافها في اليمن ولبنان والعراق. هنا يبدو الخطاب كأنه ينفي مشروع النفوذ الإقليمي بينما يصف أدواته في الوقت نفسه.
النقيضة الخامسة تكمن في الحديث عن الدفاع مقابل خطاب الانتقام. فالخطاب يصف العمليات العسكرية بأنها "دفاع عن الوطن" في مواجهة "هجوم ظالم"، لكنه يؤكد أيضاً أن "ملف الانتقام سيبقى مفتوحاً حتى يتحقق بالكامل". وهنا يتحوّل الدفاع إلى مشروع ثأر طويل المدى، وهو انتقال لغوي وسياسي يغيّر طبيعة الصراع من ردّ فعل دفاعي، إلى سياسة انتقامية مستمرة.
وتظهر نقيضة أخرى في الحديث عن الرحمة الإلهية مقروناً بلغة التدمير. فالخطاب يكثر من الدعاء والابتهال وذكر "الوعد الإلهي" و"رحمة الله"، لكنه يتضمّن أيضاً تهديداً صريحاً يقول فيه: "سنأخذ من أموال العدوّ… وإن لم يكن ذلك ممكناً فسندمّر من أمواله بالمقدار نفسه». وهكذا تجتمع لغة روحية دينية مع لغة تدميرية صريحة.
ومن النقائض اللافتة كذلك الجمع بين خطاب المظلومية وخطاب القوة. فالخطاب يصف إيران وشعبها بأنهم ضحية "هجوم ظالم" من قبل "جبهة الاستكبار"، لكنه في الوقت نفسه يتحدث بثقة عن القدرة على إغلاق المضائق وفتح جبهات جديدة، وفرض معادلات إقليمية. وهنا يظهر خطاب مزدوج يجمع بين صورة الضحيّة وصورة فائض القوة.
هذه النقائض اللفظية ليست مجرد أخطاء بلاغية، بل هي جزء من لغة سياسية مقصودة. فالخطاب يسعى إلى تحقيق عدة أهداف في وقت واحد: تعبئة الداخل عبر لغة المظلومية، وإرهاب الخارج من خلال إظهار القوة عبر لغة التهديد، والحفاظ على شرعية دينية عبر المفردات العقائدية، وفي الوقت نفسه إرسال رسائل سياسية للخارج.
النتيجة أن النصّ يتحرّك بين مستويين متوازيين: مستوى لغوي يكثر فيه الحديث عن الصبر والوحدة والصداقة، ومستوى سياسي يركز على الانتقام والتصعيد العسكري وتوسيع المواجهة. وبين هذين المستويين تظهر النقائض اللفظية بوصفها أداة لتجميع رسائل متناقضة في خطاب واحد.
يمكن القول إن هذه الكلمة تمثل نموذجاً واضحاً لكيفية استخدام اللغة في السياسة الحديثة، حيث لا تكون الكلمات مجرد وصف للواقع، بل وسيلة لصناعته أو إعادة تفسيره. فالنقائض اللفظية هنا ليست مجرد ظاهرة لغوية، بل تعبير عن توتر عميق وتشوّش في الأهداف، بين خطاب الشرعية الدينية وخطاب القوة الجيوسياسية. وحين تجتمع مفردات التواضع مع السلطة، والدعوة إلى السلام مع لغة الحرب، ونفي الهيمنة مع توسيع النفوذ، يصبح النصّ مثالاً واضحاً على كيف يمكن للكلمات أن تحمل في الوقت نفسه معنى الشيء ونقيضه. ولكنها أيضاً تشي بغياب البوصلة، وهو أمر يظهر مدى المأزق الذي وصلت إليه طهران في فتح كل هذه الجبهات ضدها.
نبض