رسائل مجتبى خامنئي في خطابه الأول
كانت كلمة مكتوبة، لم يظهر فيها المرشد الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية مجتبى خامنئي، ولا حتى سمع فيها صوته، وقد يعود ذلك إلى أسباب أمنية، خوفاً من تحديد مكانه، وبالتالي تعريضه لاستهداف إسرائيلي كما حصل مع والده الراحل علي خامنئي؛ وربما يكون الأمر راجعاً إلى إصابته في الهجوم الذي استهدف مكتب المرشد السابق، وعدم رغبة النظام الإيراني في إظهار "القائد" في هيئةٍ مصابة.
الصورة مهمّة في هذه اللحظات الحرجة التي تمرّ بها إيران، فهي تنقل رسائل إلى الداخل والخارج، وبناءً على ذلك فإن غياب خامنئي الابن عن الظهور الأول، رغم ما أثاره من أسئلة، يُعدّ أقل ضرراً من خروجه العلني وهو مصابٌ، لأن ذلك من شأنه أن يضعف معنوياتِ المناصرين، خصوصاً أن هناك مسألة مهمة، وهي أنه لم يكن مجتبى خامنئي ليُعيَّن مرشداً للثورة لو أن والده المرشد السابق علي خامنئي تُوفي وفاةً طبيعية، لأن العرف السائد في الحوزات العلمية الشيعية، سواء في النجف أو في كربلاء أو في قم أو في مشهد، أن لا تُورَّث "المرجعية الدينية" من الأب إلى ابنه، إذ يُنظر إلى هذا السلوك بوصفه حبّاً في الزعامة ينافي التقوى.
أيضاً، هناك سبب آخر مهم، أن شرعية الثورة في إيران قائمة على رفض التوريث السياسي، إذ أطيح بالشاه الراحل محمد رضا بهلوي ليكون هنالك نظام جمهوري، لا وراثي، فالإيرانيون لا يريدون أن يستبدلوا شاهاً يرتدي التاج بشاهٍ آخر يرتدي العمامة!
إذن، ما الذي تغيّر، وكيف أصبح مجتبى خامنئي المرشد الثالث؟
المعطى الأساسي الذي أحدث التغيير الجذري هو عملية الاغتيال التي تعرّض لها والده، وقُتل فيها مع عدد من أفراد عائلته. وهو حدث مفصلي في إيران، أدّى إلى فراغٍ كبير في القيادة وأيضاً صدمة كبيرة.
المرشد الأعلى اليوم أتى بـ"شرعية الدم" وبوصفه "الوريث" الذي قُتل والده وعدد من آل بيته. وهذه "الشرعية العائلية" المضمخة بـ"التضحية" كما في سردية أتباعه كانت حاضرة في خطابه الأول، حيث تحدث عن والده المرشد الراحل علي خامنئي، وكيف أنه زاره بعد مقتله، قائلاً: "حظيت بشرف زيارة جثمانه بعد استشهاده؛ فما رأيته كان جبلاً من الصلابة، وسمعت أن قبضته السليمة كانت مشدودة".
الرسالة الرابعة في الخطاب، تحيته لحلفاء إيران في الشرق الأوسط، وتحديداً "المليشيات العراقية" و"حزب الله" لبنان و"أنصار الله" الحوثيين في اليمن؛ وفي ذلك إشارة إلى أن طهران لا تزال تعوّل على الأذرع والجماعات الموالية لها في الانخراط أكثر فأكثر في الصراع، خصوصاً أن الحوثيين حتى الساعة لم يشاركوا فيه.
الرسالة الخامسة المهمّة لـ"المرشد" كانت داخلية، وهي "الحفاظ على الوحدة بين مختلف أبناء الشعب وفئاته.. وألا يُسمح بأيّ خدش لها"، مشدداً على أولوية "التغاضي عن نقاط الخلاف".
هذه النقطة ترتبط برغبة النظام الإيراني في منع حدوث أيّ تمرّد داخلي، ومواجهة أيّ تظاهرات واسعة أو مساع انفصالية من الأعراق المختلفة، وتحديداً الأكراد والعرب والبلوش. فبحسب تقديرات "وكالة الاستخبارات الأميركية" لا يزال النظام في إيران متماسكاً، ويريد المرشد الجديد لهذا التماسك أن يستمر.
لقد كان الخطاب الأول متشدّداً، بوصفه خطاباً حربياً، جاء في ظروف معقدة للغاية، وهو تشدّد يعكس أن "النواة الصلبة" في إيران لا تزال متمسّكة بخطابها وعملياتها العسكرية، من دون أن تقدّم ولو مبادرة حسن نيّة عملية قابلة للتطبيق تجاه دول الجوار العربي.
الأهم هو ما الذي سيتبع الخطاب من سياسات، وهل ستستمر طهران في توسيع دائرة الحرب، وبالتالي إحداث مزيد من الفوضى التي لن تكون مضرّة بالإقليم وحسب، بل بإيران قبل غيرها، وستكتشف طهران أنها تحقق أهداف تل أبيب، عوضَ أن تحبط مخططاتها!
نبض