الحرب على الرواية: من يربح معركة السرد في زمن الحروب الحديثة؟
"حرب الروايات" هي نمط من الصراع لا يهدف فقط إلى السيطرة على المعلومات، بل إلى التحكم في تأطير المعلومات، أي الطريقة التي يفهم بها الجمهور الأحداث ويُدرجها في ذاكرته الجماعية. وفي النزاعات المعاصرة، لم تعد المعركة محصورة في الميدان العسكري؛ إذ تشير دراسات عديدة في الإعلام السياسي إلى أن الانتصار السردي يمكن أن يسبق العمليات العسكرية أو يؤثر في اتجاهها عبر تشكيل الرأي العام المحلي والدولي.
الجذور التاريخية للدعاية وتطوّرها الفكري
ليست الدعاية السياسية ظاهرة حديثة، بل تمتدّ جذورها إلى العصور القديمة. فقد استخدمت حضارات مثل مصر الفرعونية والإغريق والرومان الخطابة والفن والرموز الدينية لصناعة صورة إيجابية عن الذات وخلق صورة سلبية عن الخصوم، بما يسهم في إضفاء الشرعية على الحروب أو التوسّع السياسي.
أما مصطلح "Propaganda" فقد ظهر في القرن السابع عشر مع إنشاء الكنيسة الكاثوليكية عام 1622 مجمعاً باسم "مجمع نشر الإيمان"، وكان هدفه تنظيم النشاط التبشيري ومواجهة انتشار الإصلاح البروتستانتي.

وقد شهد القرن العشرون تحوّلاً مهماً عندما أصبحت الدعاية موضوعاً للدراسة العلمية. ففي عام 1927 قدّم الباحث الأميركي هارولد لاسويل أول تحليل منهجي للدعاية في كتابه Propaganda Technique in the World War، حيث درس كيفية استخدام الحكومات الرسائل الإعلامية لتوجيه الرأي العام خلال الحرب العالمية الأولى. لاحقاً، طوّر إدوارد بيرنيز، أحد روّاد العلاقات العامة الحديثة، مفهوم "هندسة الرضى" (Engineering of Consent)، الذي يقوم على توظيف مبادئ علم النفس الاجتماعي للتأثير في مواقف الجمهور وتوجيهه بطريقة غير مباشرة.
أما في ألمانيا النازية، فقد بلغت الدعاية مستوى أكثر تنظيماً مع وزارة الدعاية بقيادة جوزيف غوبلز، التي اعتمدت على مبادئ مثل التكرار المستمرّ للرسائل وتبسيط الصراعات المعقدة إلى ثنائيات أخلاقية واضحة، وهو ما ارتبط أيضاً بما يُعرف في أدبيات الدعاية بمبدأ "الكذبة الكبرى" الذي استخدمته الأنظمة الشمولية لتعبئة الجماهير.
اليوم، يُصنّف الباحثون الدعاية عادة إلى ثلاثة أنواع رئيسية: "الدعاية البيضاء" التي تعتمد على معلومات صحيحة ومصدر معلن، "الدعاية السوداء"، وتقوم على التضليل وإخفاء المصدر و"الدعاية الرمادية" التي تمزج بين معلومات صحيحة وأخرى مضلّلة بهدف إرباك الجمهور والخصم.
بين المدرسة الإسرائيلية ومحور الممانعة
تُعدّ حرب الروايات والاتصال الرقمي أحد أبرز ميادين الصراع المعاصر، إذ تسعى الأطراف المتنازعة إلى التأثير في الرأي العام العالمي وتأطير الأحداث بما يخدم أهدافها السياسية. ويمكن تمييز مدرستين رئيسيتين في هذا المجال: المدرسة الإسرائيلية (الهاسبارا) ومدرسة محور الممانعة.

تعود جذور "الهاسبارا" إلى بدايات الحركة الصهيونية، وتعني بالعبرية "الشرح" أو "التوضيح". ومع مرور الوقت تحوّلت إلى منظومة مؤسساتية لإدارة صورة إسرائيل الدولية، وخاصة بعد حرب لبنان عام 1982، مستندة إلى سردية تجمع بين الذاكرة التاريخية للهولوكوست وتقديم إسرائيل كدولة تدافع عن نفسها في بيئة معادية. في المقابل، تقوم سردية محور الممانعة على مفهوم "المقاومة" واستعادة الكرامة الجماعية ومواجهة الهيمنة، مع دمج عناصر دينية وقومية وسياسية والتركيز على السيادة وحق تقرير المصير.
في المواجهة السرديّة، يعتمد الخطاب الإسرائيلي على تأطير الصراع بوصفه مواجهة بين الديموقراطية والتنظيمات المتطرفة، مع الحرص على نشر الرواية الأولى بسرعة لتشكيل الانطباع العام. أما خطاب الممانعة فيرتكز على الردع النفسي وبناء المعنويات، ويستخدم تسميات رمزية للعمليات مثل "العصف المأكول" و"الصاع صاعين" لتعزيز الصمود المعنوي وإضفاء بعد رمزي - ديني على الصراع.

في المجال الرقمي، تعتمد إسرائيل على منظومة "الهاسبارا" الرقمية واستخدام الوسوم مثل #StandWithIsrael و#DefendingIsrael لنشر روايتها عالمياً. في المقابل، يعتمد محور الممانعة أكثر على الشتات الرقمي وصحافة المواطن، مستفيداً من حركة النشطاء والمؤثرين ومنصات مثل تليغرام لتجاوز القيود الإعلامية.
أصبح تأثير خوارزميات المنصات الرقمية عاملاً مهماً في انتشار الروايات المختلفة، ما جعل الصراع الإعلامي لا يدور فقط بين الأطراف المتنازعة، بل أيضاً ضمن بنية المنصّات الرقمية نفسها. وفي هذا السياق تؤدي الوسوم دوراً مركزياً في تأطير الأحداث، مثل #FreePalestine #ZionistCrimes مقابل الوسوم المؤيدة لإسرائيل.
يُلاحَظ أن المدرسة الإسرائيلية تعتمد بدرجة أكبر على التنظيم المؤسسي والدعم التقني لإدارة روايتها، بينما يعتمد محور الممانعة على مرونة النشطاء وانتشار المحتوى الشعبي. وتبقى معركة الروايات مفتوحة، إذ يتحدد تأثيرها بقدرة كل طرف على تقديم سرديّة تقنع الرأي العام العالمي.
في النهاية، تكشف النزاعات الحديثة أن الحروب لم تعد تُحسم فقط بالقوّة العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على صوغ رواية مقنعة ومؤثرة. فمعركة السرد أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع السياسي، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم تفسيره الخاص للأحداث وإقناع الجمهور المحلي والدولي به. لكن التجربة المعاصرة تشير أيضاً إلى أن السيطرة الكاملة على الرواية أصبحت أكثر صعوبة في عصر الإعلام الرقمي وصحافة المواطن، حيث تتنافس روايات متعددة في الفضاء العام. وفي هذا السياق، قد لا يكون الطرف الذي يمتلك الحقيقة هو بالضرورة من ينتصر في معركة السرد، بل الطرف القادر على بناء قصة متماسكة تلامس هويّة الجمهور وتصبح جزءاً من ذاكرته.
نبض