حرب على عاصمة شيعة لبنان
مشاهد الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت تفوق الوصف. إنه انتقام وحشي غير متناسب يشبه ما فعلته إسرائيل في غزة. حي الجاموس وأحياء في حارة حريك ومحيط كنيسة مار مخايل في الشياح تغيرت معالمها حتى لتكاد تختفي، عشرات الأبنية أصبحت ركاماً، لكن معها المئات التي تحطمت واجهاتها وشرفاتها وتخلخلت أساساتها. مئات المحلات والمؤسسات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة صارت في خبر كان. المشهد يشبه مدينة منكوبة في الحرب العالمية الثانية.
تدمر إسرائيل عشرات القرى الحدودية وتهجر أهلها لتقيم منطقة أمنية عازلة بحجة حماية المستعمرات الشمالية، وتهاجم عشرات القرى خارج الشريط الحدودي في الجنوب والبقاع، وتلاحق أهل هاتين المحافظتين إلى الضاحية التي كانوا لجأوا إليها وعمروها خلال نحو مئة عام مضت هرباً من الفقر والحرمان أولاً ثم من الاعتداءات الإسرائيلية لاحقاً.
عندما تضرب إسرائيل الضاحية الجنوبية فهي توجه ضربة مزدوجة لأهل القرى الجنوبية بشكل خاص ولأهل البقاع تالياً، عمران الضاحية هو عمرانهم ومالها مالهم، وكثر منهم فقدوا بيوتهم وأملاكهم في قراهم وفي الضاحية أيضاً في حرب السنة الماضية وفي الحرب الحالية. فريق من سكان الضاحية اختار الانضواء في "حزب الله" أو دعمه، فريق آخر لم يتبنّ هذا الخيار، لكن إسرائيل لا تفرق بين الفريقين، بل تخوضها حرباً ضد بيئة "حزب الله" مجتمعة، ضد الشيعة الذين تعتبرهم جزءاً لا يتجزأ من النظام الإيراني الخطر الوجودي الداهم على الكيان، كما يردد زعماؤها.
الضاحية المستهدفة مكشوفة تماماً، تطالها الصواريخ من البحر والجو وتراقب المسيرات كل حركة، وربما كل همسة فيها، لا مظلة دفاعية ولا صواريخ مضادة للطائرات كان جرى الحديث عنها في مرحلة ما في سياق تضخيم الترسانة العسكرية لـ"حزب الله"، وحتى لو وجدت فإن حجم القدرة المهاجمة سيجعلها بلا فائدة. تنهال عليها الضربات ليل نهار والكل يتفرج بلا حول ولا قوة، اللهم الّا البكاء والصراخ والمكابرة والصبر والاحتجاج المكتوم، وعلى الأرجح الانفجار المؤجل.
وحدهم المتضررون وفاقدو الرزق يعرفون المعنى الحقيقي لأن تكون ضحية، فكيف بمن فقدوا أحبة أو أصيبوا وبمن تشردوا في الطرقات وعلى الأبواب وفي مراكز إيواء مذلّة.
تبدو الضاحية مستسلمة لقدرها، طرد أهلها منها، منهم من ابتعد كثيراً عنها إلى شمال لبنان وجبله وبقاعه الأوسط، ومنهم من وجد ملاذاً في العاصمة، ومنهم من لم يجد مأوى يلجأ إليه فأقام في السيارات أو في الساحات القريبة منتظراً أن يكون العائد الأول إليها ومحاولاً تفقد رزقه كلما توقف القصف لبعض الوقت.
ليست الضاحية بلدة حدودية، ولا تطلق منها الصواريخ البالستية على إسرائيل، وليس هناك ما يثبت أن الابنية المستهدفة هي مواقع عسكرية أو تهدد أمن إسرائيل. تستهدف الضاحية لأنها تمثل أكثر من مجرد تجمع سكاني كبير، هي الجنوب والبقاع مجتمعان وهي خزان "حزب الله" ومركزه.
لم تعد الضاحية مجموعة قرى متفرقة حول بيروت ولا بساتين حمضيات وزيتون وحقول خضروات، باتت الضاحية مدينة كبيرة، وربما أكبر مدن لبنان بسكانها الذين يفوق عددهم النصف مليون أغلبيتهم الساحقة من الشيعة، من سكانها الأصليين خصوصاً في الغبيري وبرج البراجنة، ومن الوافدين من البقاع والجنوب الذين استقروا في المريجة وحارة حريك وبعض الشياح والحدث، وهي بلدات مسيحية في الأساس اشترى الشيعة أرضها تباعاً، لا سيما خلال الحرب الاهلية وبعدها. وهناك من يقول إن شراء هذه الأرض هو جزء من مخطط معد له.
لقد بنى الشيعة عاصمتهم التي كانت ضاحية ولم تعد كذلك، الأحياء الجديدة ليست حزام بؤس، حتى حي السلم الأفقر تاريخياً لم يعد على حاله، وإن كانت فوضى العمران والحياة فيه لم تتغير. أسئلة كثيرة أثيرت حول شراء أملاك المسيحيين، ونداءات أطلقتها الكنيسة والسياسيون المسيحيون لوقف عمليات البيع التي تهدد الديموغرافيا المسيحية، لكن الذي حصل حصل وبنيت أحياء الضاحية بأبنيتها الحديثة المرتفعة ومؤسساتها ومرافقها.
إذا كان هناك مشروع شيعي في لبنان، فإن الضاحية كانت مركز هذا المشروع وقلبه. طاقة بشرية كبيرة ونشيطة متجانسة طائفياً، مؤسسات اقتصادية كبيرة وتجارة مزدهرة تمتد أذرعها إلى كل المناطق اللبنانية، قيادة سياسية مسيطرة وحامية ومؤمنة للامتيازات داخل الدولة ممثلة بثنائي "أمل" و"حزب الله"، شبه أمن ذاتي، شبه نظام مصرفي خاص عبر تركز كبير لعمليات الصيرفة وعبرمؤسسة القرض الحسن، وحتى بعض قضاء خاص للفصل في النزاعات. في هذا الوضع نشأت في أحياء الضاحية الحديثة مؤسسات ترفيهية ونواد ومطاعم فخمة استقطبت رواداً من مناطق أخرى كما أصبحت مخزناً كبيراً للبضائع المستوردة من الصين وغيرها، ما أثار شكوكاً خرجت إلى العلن في تجارة غير مشروعة وتبييض أموال.
صحيح أن انفلاتاً أمنياً كانت تشهده الضاحية بين الحين والآخر بين عائلات وعشائر مستقوية بالسلاح وبين تجار مخدرات ومتزعمي أحياء وفارضي خوة ممن لم تعمل القوى المسيطرة على ضبطهم في غياب فاعل للأجهزة الأمنية الشرعية، إلّا أن ذلك لم يمنعها من أن تكون فعلاً عاصمة الشيعة في لبنان.
ما زالت الأبنية التي دمرت في الحرب الماضية ركاماً، لا تعويضات من "حزب الله" ولا مساعدات عربية ودولية لإعادة الإعمار. باتت الكلفة أعلى بكثير من إمكان توفيرها من أي مصدر بعد الدمار الهائل الحالي.
الحروب ليست فقط ضحايا ودماراً، إنها تغيير في مسار الشعوب والأفكار والأمم، لن يكون ما بعد هذه الحرب كما قبلها، فهل تغيّر الحرب شيعة لبنان؟
نبض