أحداث وحروب غيّرت تاريخ الشرق الأوسط

كتاب النهار 13-03-2026 | 04:17
أحداث وحروب غيّرت تاريخ الشرق الأوسط
العالم في طور التغير، ويبدو أن الحرب الدائرة اليوم هي أحد وسائل ذلك التغيير، وهذا يشمل الشرق الأوسط مجدداً، كما حصل بعيد الحربين العظميين، الأولى والثانية.
أحداث وحروب غيّرت تاريخ الشرق الأوسط
مشهدية دمار واسع في الضاحية الجنوبية لبيروت في ظل المواجهة المستمرة (أ ف ب)
Smaller Bigger

الحديث عن تغيير الخرائط، أو تغيير الواقع الجيوسياسي، في الشرق الأوسط، وخاصة في بلدان المشرق العربي الرئيسية، ليس مجرد كلام، ولا محض توجهات سياسية، إضافة إلى إنه ليس جديداً، إذ حصل مثل ذلك إبان ما بات يعرف بـ"الثورة العربية الكبرى"، في مطلع القرن العشرين، التي نجم عنها انتهاء الإمبراطورية العثمانية، ووقوع المشرق العربي تحت هيمنة الدول الغربية الاستعمارية، نتيجة معادلات الحرب العالمية الأولى.

وقد حصل ذلك مرة ثانية، بعيد الحرب العالمية الثانية، في نهاية النصف الأول من القرن الماضي، مع انتهاء مرحلة الاستعمار المباشر، وحصول الدول العربية في المشرق العربي على استقلالها، وقيام أنظمة جمهورية "قومية"، على حامل الجيش فيها، وهو ما حصل في سوريا والعراق ومصر، واللافت أن هذه التطورات تزامنت مع إقامة دولة إسرائيل (1948)، على حساب الشعب الفلسطيني، وكعامل تحدّ للواقع العربي الناشئ في حينه.

في غضون النصف الثاني من القرن العشرين، حصل الحدث التغييري الأول، بعد حقبة الاستقلال العربية، بنشوب حرب حزيران/يونيو (1967)، التي نجم عنها احتلال إسرائيل باقي الأراضي الفلسطينية، في الضفة والقطاع، وتوسعها إلى أراضٍ مصرية (شبه جزيرة سيناء) وهضبة الجولان السورية، وتقلص الأردن إلى شرقي النهر، بعد احتلال الضفة الغربية، وقد تمخض ذلك، أيضاً، عن إضعاف الأنظمة القومية "الراديكالية"، من حيث المبنى والمعنى والمشروعية، الأمر الذي نقل الصراع العربي - الإسرائيلي من حيز الصراع على وجود إسرائيل إلى حيز الصراع على شكل وجودها في المنطقة. واللافت، مرة ثانية، أن ذلك تم مع صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، بخيار الكفاح المسلح، بهدف تحرير فلسطين، في تناقض مع خيار النظام العربي السائد في حينه.

مع ذلك، ففي المحصلة، فإن آثار تلك الحرب هي التي رسمت التطورات التالية في المشرق العربي، إذ إن حرب تشرين الأول/أكتوبر (1973) اعتبرت آخر الحروب العربية الدولتية ضد إسرائيل، وترجم ذلك ليس فقط بخروج مصر من إطار الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بتوقيع اتفاق كامب ديفيد (1978)، وإنما بتحول النظام العربي نحو الحل السياسي التفاوضي مع إسرائيل، بحيث أن قوة الدفع تلك أدت إلى ذهاب القيادة الفلسطينية، بعد الخروج من لبنان، بفعل الغزو الإسرائيلي له (1982)، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، نحو توقيع أول اتفاق سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين، وإقامة كيان السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو (1993).

أما الحدث التغييري الأهم الذي حصل في المشرق العربي، في مطلع القرن الحادي والعشرين، فتمثل في الغزو الأميركي للعراق (2003)، ليس فقط بحكم إسقاط نظام صدام حسين، فقط، وإنما لاعتبار قيام الولايات المتحدة بتقديم ذلك البلد على "بياض"، أو على طبق من فضة، للنظام الإيراني، عبر الميليشيات الطائفية المسلحة، التي تشتغل كأذرع إقليمية في خدمة سياساته في المنطقة، الأمر الذي جعل النظام الإيراني، لعقدين متتالين، بمثابة القوة المهيمنة أو الأكثر فعالية في الإقليم، حتى بأكثر من تركيا وإسرائيل، وبواقع هيمنته بشكل مباشر على العراق ولبنان وسوريا.

الآن، نحن إزاء الحدث الأخطر، والأكثر أهمية، بعد حقبة الاستقلال، وإقامة إسرائيل، وبعد حرب 1967، الذي يتمثل بالتداعيات الناجمة عن عملية "طوفان الأقصى"، التي اعتبرت، ويا للمفارقة، بمثابة الضربة الأقسى التي تلقتها إسرائيل في تاريخها، إذ أدت بدورها إلى تداعيات معاكسة، تماما كما حصل سابقاً، بتزامن استقلال دول المشرق العربي مع إقامة إسرائيل.

وكما لاحظنا فإن تلك التداعيات شملت شن إسرائيل حرباً متعددة الأطراف في المنطقة، من لبنان وسوريا والعراق واليمن وصولاً إلى إيران، ذاتها، ضمنها حرب إبادة وحشية ضد فلسطينيي غزة، لأكثر من عامين، ما نجم عنه تعزيز هيمنة إسرائيل، الاستعمارية والعنصرية والدينية والوحشية، على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، وتحويل قطاع غزة إلى منطقة غير صالحة للعيش، وضعضعة مسار إقامة دولة للفلسطينيين، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على عقد اتفاق أوسلو، إضافة إلى أنها أدت إلى تقويض قدرات "حزب الله"، وافتقاده شرعيته، في لبنان، مع انهيار النظام السوري، وتحجيم إيران.

مع ذلك فإن ما يفترض إدراكه هنا، أن ما نشهد فصوله اليوم، في الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد النظام الإيراني، وأذرعه الإقليمية، لا يتعلق بشكل الاستجابة على عملية "طوفان الأقصى" فقط، وإنما هو يأتي في إطار، أكبر، يتعلق باستعادة إسرائيل لصورتها كدولة رادعة، ولمكانتها كقوة إقليمية عظمى في المنطقة، وهذا ينطبق على الولايات المتحدة التي تحاول في ظل إدارة ترامب فرض أجندتها السياسية والأمنية والاقتصادية على العالم، من خلال الشرق الأوسط، كما من خلال أميركا اللاتينية، وأوروبا الشرقية، وشرق آسيا، إزاء الأقطاب الدوليين الآخرين، لا سيما الصين.

العالم في طور التغير، ويبدو أن الحرب الدائرة اليوم هي إحدى وسائل ذلك التغيير، وهذا يشمل الشرق الأوسط مجدداً، كما حصل بعيد الحربين العظميين، الأولى والثانية.