إيران تفضّل عراقاً ضعيفاً تسيطر عليه بواسطة ميليشياتها

كتاب النهار 10-03-2026 | 16:20

إيران تفضّل عراقاً ضعيفاً تسيطر عليه بواسطة ميليشياتها

ماذا يجب أن يحصل لتحقيق الأمن والاستقرار الداخلي المأمول في العراق؟
إيران تفضّل عراقاً ضعيفاً تسيطر عليه بواسطة ميليشياتها
عناصر مسلحة في العراق (أ ف ب).
Smaller Bigger

في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لمّح وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيس في اتصال هاتفي إلى "عمليات عسكرية" وشيكة في المنطقة يُرجّح ارتباطها بالصراع الإسرائيلي - الإيراني، وحذّر العراق بصراحة من انخراط أي فصيل مسلّح مدعوم من إيران في أي عمل عسكري ضد إسرائيل. دانت الخارجية الإيرانية هذا التواصل واعتبرته "تدخلاً أميركياً" في الانتخابات النيابية بعد أيام، ثم أصدرت وزارة الخارجية في بغداد بياناً في 10 تشرين الثاني وصفت فيه الرد الإيراني بأنه تدخل غير مقبول في الشؤون العراقية الداخلية. يُبرز ذلك التوازن الدقيق الذي يحاول العراق إدارته بين الولايات المتحدة وإيران. ويُبرز أيضاً كيف تسيطر سياسة ردود الأفعال على العلاقات الخارجية العراقية في ظل استمرار فاعلين داخليين متفلتين في تقويض مسار تطوير هذه العلاقات. 

 

في اختصار، ظهرت عوامل رئيسية عدة لسياسة العراق الخارجية القائمة على حسن الجوار خلال عامي 2024 و2025. برز ذلك في مبادرات ثلاث هي الآتية: أولاً التعاون مع تركيا لمواجهة نشاط مقاتلي حزب العمال الكردستاني في العراق. ثانياً التعاون مع إيران لمواجهة نشاط مقاتلي "حزب الحياة الحرة" الكردستاني في العراق. ثالثاً تكثيف الجهود المحلية والإقليمية في مجال مكافحة المخدرات. مع ذلك، في ما يتعلق بتعامل الحكومة العراقية مع "حزب العمال" و"حزب الحياة الحرة" الكردستانيين، تظل محاولات الدولة للسيطرة على كليهما محكومة بمصالح دول خارجية وتحديداً تركيا وإيران. صحيح أن بغداد تتذرّع بالأعراف الدولية لتبرير ضغوطها على الجماعتين المذكورتين وغيرهما، وكلها مصنّفة إرهابية، إلا أن منطقها هذا يفقد تماسكه عندما تتوانى عن تطبيقه على الجماعات المسلحة الموالية لإيران، والتي صنّفتها أميركا إرهابية، وقد نفّذت هجمات على دول عدة في المنطقة. 

 

كيف يتم التعامل مع حزب العمال الكردستاني؟ وكيف يجب أن يكون؟ تمثّل قضية حزب العمال الكردستاني التي عجز العراق عن إدارتها بكفاية مدى عقود، واحدة من أبرز التحولات في العلاقات السياسية بين تركيا والعراق. فبحسب الأخير استغلت تركيا وجود الحزب داخل أراض عراقية لتبرّر تنفيذ ضربات جوية في العراق. ولكن بعد محادثات رفيعة بين مسؤولين عراقيين وأتراك في بغداد عام 2024، حذّرت حكومة العراق حزب العمال الكردستاني والأحزاب المرتبطة به داخل البلاد، وسعت بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان إلى دفع مقاتلي الحزب نحو معسكرات مخصصة لنزع السلاح. بعد ذلك زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العراق في خطوة عكست تنامي العلاقات بين البلدين. رغم ذلك لا يزال التعامل مع ملف حزب العمال الكردستاني داخل العراق بالغ التعقيد. 

 

كيف يتم التعامل مع حزب الحياة الحرة الكردستاني؟ في 11 آب/أغسطس 2025 التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في بغداد علي لاريجاني كلا من مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي ورئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني ورئيس جمهورية العراق عبداللطيف الرشيد ورئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، وقد وقّع العراق وإيران خلال الزيارة مذكرة تفاهم في شأن التعاون في أمن الحدود، هدفها التنسيق الأمني والاستخباري وتسيير دوريات مشتركة في المناطق الحدودية. استندت المذكرة إلى اتفاق أمن مشترك موقّع في 19 آذار/مارس 2023 يتعلق بأمن الحدود والإجراءات الرامية إلى تحييد المعارضة الكردية الإيرانية في الإقليم. كان ذلك في أعقاب هجمات يرّجح أن يكون نفّذها داخل إيران "حزب الحياة الحرة الكردستاني". وكان هدف هذا التعاون تجنّب أي ضربات إيرانية على الأرض العراقية. إلى ذلك، كثّفت حكومة السوداني جهود مكافحة المخدرات في العراق خلال عامي 2024 و2025. وفي الربع الأول من العام الأخير سجلت المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية 3006 حالات اعتقال وأصدرت 973 حكم إدانة، وصادرت 20166 طناً من مواد غير مشروعة من بينها 1538 طنا ضُبطت بأوامر جنائية. بناءً على ذلك احتلت مديرية مكافحة المخدرات العراقية المرتبة الثالثة عالمياً في هذا المجال، وفق تصنيف الشرطة العالمية في دبي. استثمر العراق ذلك لتعزيز علاقاته مع دول الجوار ولا سيما السعودية. ورغم كل ما تحقّق في مجال المخدرات تظل الجهود رهينة تهديدات الجماعات المسلحة الغارقة في مستنقع الاقتصاد غير المشروع. وهي تعمل من داخل مؤسسات الدولة. يشكّل ذلك تحدياً إضافياً أمام علاقات العراق بجواره.

 

ماذا يجب أن يحصل لتحقيق الأمن والاستقرار الداخلي المأمول في العراق؟ المطلوب توحيد الجهود الإقليمية والدولية وتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والتفاوض على اتفاقات تُحدد أسُس علاقات التعاون الأمني وشرطها. ولكن من المؤسف أن هذا المسار يتعارض في أغلب الظن مع الإستراتيجية الإيرانية الأساسية تجاه العراق. فهي تفضّل جاراً ضعيفاً تحافظ عليه الجماعات والفاعلون غير الرسميين. رغم ذلك يبقى وجود إيران جارةً للعراق واقعاً جيوسياسياً لا يمكن تجاوزه، ويفرض المحافظة على علاقته معها. 

 

لا يمكن التعويل على عائد الاستقرار الذي تمتع به العراق خلال السنوات الماضية. فالتحديات الداخلية المرتبطة بالموارد المائية وتوليد الطاقة والفساد وإفلات الميليشيات والأحزاب من المساءلة وضعف القطاع الخاص وهشاشة الموازنة العامة، كل ذلك يكشف مدى وهن حالة الهدوء الحالية. فضلاً عن أن الفشل في الحفاظ على توازن السياسة الخارجية ومعالجة القضايا الداخلية سيُسفر عن ترسيخ الانقسامات الداخلية القائمة. وفي ذلك ضرر للعراق داخلياً وربما ينعكس سلباً على المنطقة بأسرها.

 

كل ما تقدم صحيح، لكن الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لا بد أن تترك نتائجها غير الظاهرة بعد رغم استبعاد خسارة أميركا وإسرائيل، واستبعاد إنهاء إيران الإسلامية كلها. لكن السؤال الذي يُطرح هو: هل يبقى لأذرع إيران في العراق وفي اليمن ولبنان دور كبير مارسوه مدة طويلة؟ واستبعاد ذلك هو الجواب. لكن يجب التأكد من تحقيق الولايات المتحدة وإسرائيل نصراً حاسماً على إيران وإضعافاً كبيراً لكل أذرعها في المنطقة.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
لبنان 3/9/2026 1:43:00 AM
عند سؤاله إن كان ثمة مبادرة جدية مطروحة، قال سلام إنه لا يمكن الحديث عن مبادرة واضحة حتى الآن، لكن هناك أفكاراً مطروحة، خصوصاً من الجانب الفرنسي.