النظام العربي الذي لم يحدد عدوه!

كتاب النهار 10-03-2026 | 04:05
النظام العربي الذي لم يحدد عدوه!
أي طرفٍ يلحق الضرر بالعرب أو يعتدي على دولهم ومجتمعاتهم ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره طرفاً معادياً بغض النظر عن موقعه في الصراعات الأخرى الدائرة في الإقليم...
النظام العربي الذي لم يحدد عدوه!
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخها السياسي. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر الأوقات تعقيداً في تاريخها السياسي، إذ تتقاطع التحولات الإقليمية مع التغيرات في بنية النظام الدولي، بما يخلق بيئةً استراتيجيةً شديدة الحساسية تتسم بارتفاع مستويات التوتر واتساع نطاق التفاعلات الأمنية والعسكرية.

وفي ظل هذه البيئة المضطربة، برز تصور استراتيجي متزايد يؤكد أن تحقيق السلام المستدام في المنطقة لا يمكن أن يقوم على اختلال موازين القوى أو على فرض الهيمنة من طرفٍ واحد، بل على بناء توازنات ردعٍ مستقرةٍ تسمح بإدارة الصراعات بصورةٍ عقلانيةٍ وتحدّ من احتمالات الانزلاق إلى مواجهاتٍ واسعة النطاق، إذ كشفت الحرب الأخيرة بوضوح أحد أعمق الاختلالات التي يعانيها النظام العربي منذ سنوات طوال، وهو غياب تعريفٍ حاسمٍ ومحدّدٍ لمفهوم "العدو" في الوعي السياسي العربي. وظهر أن المنطقة لا تزال تعاني حالةً من الارتباك الاستراتيجي في تحديد مصادر التهديد الفعلية للأمن العربي؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل ارتكبتا مدى عقود انتهاكاتٍ جسيمةٍ بحق الشعب الفلسطيني وشاركتا في سياساتٍ ألحقت أضراراً كبيرة بعددٍ من الدول العربية. وفي المقابل، فإن إيران لم تتوقف خلال السنوات الماضية عن توسيع نفوذها في عددٍ من الساحات العربية، عبر أدواتٍ مختلفةٍ كان لها تأثير مباشر في إضعاف بعض الدول وإثارة الانقسامات داخل مجتمعاتها، كما أن التوترات بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل أظهرت استعدادها لمهاجمة دول خليجية عربية وتهديد أمنها.

وبين هذين المسارين المتوازيين يجد النظام العربي نفسه أمام معادلةٍ معقدةٍ لم يتمكن حتى الآن من حسمها أو صوغ مقاربةٍ واضحةٍ حيالها. فالواقع يشير إلى أن الصراعات الدائرة في المنطقة كثيراً ما تُدار من منظور توازنات القوى بين الأطراف المختلفة، بينما يغيب المعيار الأكثر بساطةً ووضوحاً وهو أن أي طرف يلحق الضرر بالعرب أو يعتدي على دولهم ومجتمعاتهم، ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره طرفاً معادياً بغضّ النظر عن موقعه في الصراعات الأخرى الدائرة في الإقليم. ومن ثم فإن إحدى الدروس الرئيسية التي أظهرتها الحرب الحالية تتمثل في الحاجة إلى إعادة صوغ مفهوم الأمن العربي على أساسٍ أكثر وضوحاً يقوم على قاعدةٍ بسيطةٍ مفادها أن من يؤذي العرب هو عدوّ لهم حتى لو كان طرفان يتقاتلان في ما بينهما في صراعات أخرى.

وكشفت التطورات الأخيرة كذلك عن استمرار إشكالية التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود داخل البيئة السياسية العربية، إذ تبنّى بعض هذه التنظيمات وعلى رأسها تنظيم "الإخوان المسلمين" خطاباً إعلامياً حاول تبرير الاعتداءات التي تعرّض لها بعض دول الخليج، وهو ما يعكس نمطاً متكرراً في سلوك هذه التنظيمات التي تميل في كثيرٍ من الأحيان إلى تقديم الاعتبارات التنظيمية والأيديولوجية على حساب المصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. ولا يمكن فهم هذا الخطاب بمعزلٍ عن الخلفية السياسية للصراع القائم بين هذا التنظيم وعددٍ من الدول العربية وفي مقدمها مصر ودول الخليج التي اتخذت خلال السنوات الأخيرة إجراءاتٍ حاسمةٍ لمواجهة نشاطه، بعدما ثبت تورطه في ممارساتٍ تهدد استقرار الدولة الوطنية وسعيه إلى تقويض مؤسساتها.

وفي هذا السياق، تبدو محاولة توظيف الحرب الحالية جزءاً من نمطٍ سياسيٍ وإعلاميٍّ متكررٍ لدى جماعة "الإخوان" يقوم على استغلال الأزمات الكبرى لإعادة طرح خطابها السياسي، وتصفية حساباتها مع الدول التي تصدّت لنشاطها خلال السنوات الماضية، بإعادة إنتاج سردياتٍ سياسيةٍ تسعى إلى تصوير الصراع القائم باعتباره فرصةً لإضعاف الدول العربية التي وقفت في مواجهة مشروعها السياسي والتنظيمي. ويعكس هذا السلوك طبيعة الخطاب الأيديولوجي الذي تتبناه الجماعة والذي غالباً ما ينطلق من منطق الصراع مع الدولة الوطنية أكثر مما ينطلق من اعتبارات الأمن والاستقرار الإقليمي.