.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
خلال عامٍ من ولايته، خاض رئيس "مجلس السلام العالمي" دونالد ترامب حربين حتى الآن، وربما تطول قائمة حروبه، وهو الذي خاض حملته الانتخابية بوعدٍ ألا يكرر حروب أسلافه الكثيرة. لكن ترامب - على خلاف أسلافه - يبرر حروبه بالبحث عن السلام من خلال القوة. تلك الفكرة القديمة والأكثر إغراءً في الفكر السياسي. فهي تحمل في طيّاتها جاذبية الواقعية - أي العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. ومع ذلك، عند التدقيق، يخفي هذا المذهب سلسلة من التناقضات التي تقوّض أسسه.
يكمن جوهر مبدأ "السلام من خلال القوة" في افتراض أساسي: وهو أن مهاجمة أي جهة فاعلة قوية بما يكفي تصبح مكلفة للغاية، وأن الخصوم العقلانيين، بعد حساب الاحتمالات، سيختارون ضبط النفس. هذا هو منطق الردع. لكن الردع ليس حقيقة، بل هو اعتقاد لدى العدوّ. والمعتقدات معروفة بعدم استقرارها. والتاريخ حافل بأمثلة على قوى أضعف هاجمت قوى أقوى، لا بدافع اللاعقلانية، بل بدافع اليأس أو سوء التقدير أو التزام أيديولوجي يتجاوز حسابات البقاء.
وبالتالي فإن القوة لا تُحدث تلقائياً الأثر النفسي المطلوب. فالآلية غير مباشرة وهشة، وتعتمد على خصم يُفكر كما تتوقع منه. فضلاً عن أن ثمة مشكلة أعمق، وهي أن القوة نفسها نسبية وديناميكية. فبمجرد أن يعزز أحد الأطراف قوته، يدرك الآخرون تهديداً جديداً ويردّون بالمثل. والنتيجة ليست سلاماً، بل سباق تسلح - عملية جماعية يصبح فيها الجميع أقل أماناً تحديداً لأن الجميع يسعى إلى تعزيز أمنه. وبالتالي، فإن "السلام من خلال القوة" قد يُولّد التوترات نفسها التي صُمّم لمنعها.
أما المشكل الثاني لهذا المنطق فهو يتعلق بالجوهر الفلسفي. فعندما ينظم مجتمع ما نفسه حول القدرة الدائمة على الحرب - من خلال الحفاظ على أجهزة عسكرية ضخمة، وترسيخ ثقافة القوة، فإنه لا يستعد لمجابهة نوع معين من العالم فحسب، بل يصبح هو ذلك العالم نفسه. فالوسائل ليست أدوات محايدة، بل تُشكّل الغايات التي تدّعي خدمتها. فالدولة المسلحة باستمرار هي دولة تفكر بمنطق التهديد والهيمنة والإخضاع. تتشكل كل مؤسساتها وخطابها وثقافتها، وفي نهاية المطاف مواطنوها، وفقاً لهذا التوجه. و"السلام" الناتج - إن وُجد - هو سلام مبنيّ على القمع، وعلى صمت من يخشون المواجهة، لا على غياب المظالم الحقيقية. وهذا ليس سلاماً بالمعنى الحقيقي، بل هو سلام مفروض. والنظام المفروض بالتهديد بالعنف ليس إلا شكلاً من أشكال العنف المؤجل.