حرب إيران: رابحون قليلون وخاسرون كثيرون
تتجاوز تداعيات حرب إيران حدود الميدان العسكري لتضرب قلب الاقتصاد العالمي. تُهدِّد المواجهة التي تتركّز في الخليج العربي أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية وما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. ومع أي اضطراب في هذا الممر الحيوي، لا تتأثر أسعار الطاقة فحسب، بل كذلك سلاسل الإمداد العالمية والتجارة والنمو الاقتصادي.
رابحون
تشير تقديرات إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط تعبر المضيق يومياً في الظروف الطبيعية، إضافة إلى نحو خمسة ملايين برميل من المنتجات النفطية. ومع تصاعد التوترات والضربات العسكرية في المنطقة، يبرز سؤال اقتصادي مركزي: من يربح ومن يخسر في هذه الحرب؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها تكشف خريطة جديدة من الرابحين المحدودين والخاسرين الكثيرين، سواء بين الدول أو داخل القطاعات الاقتصادية العالمية.
في مقدمة الرابحين اقتصادياً تأتي روسيا، التي تجد نفسها المستفيد الأكبر من اضطراب صادرات الخليج النفطية. يرتفع الطلب على النفط الروسي في آسيا، ولاسيما في الهند، حيث تُبَاع شحنات خام "الأورال" الروسي بعلاوة تساوي 4-5 دولارات تُضَاف إلى سعر خام "برنت" (92-94 دولاراً للبرميل وفق أحدث سعر) في مقابل حسم كان يبلغ 10-13 دولاراً قبل الحرب في ضوء العقوبات المفروضة على روسيا بسبب حرب أوكرانيا. ويعني ذلك أن موسكو لا تستفيد فقط من ارتفاع الأسعار، بل أيضاً من تحسن شروط بيع نفطها في الأسواق الآسيوية.
كذلك تستفيد دول منتجة خارج الخليج من ارتفاع الأسعار والبحث العالمي عن بدائل للنفط الوارد من المنطقة. منتجو النفط الثقيل في الأميركتين، مثل كندا والبرازيل وغويانا، إضافة إلى بعض المنتجين في أفريقيا، يشهدون ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار خاماتهم مع سعي المصافي العالمية إلى تعويض النقص المحتمل في الإمدادات الخليجية. ويتحسن موقع الجزائر في سوق الغاز الأوروبية، إذ أصبح غازها أكثر أهمية في ظل اضطراب صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج.

حتى داخل الولايات المتحدة، يبرز رابحون في قطاعات محددة. تستفيد شركات النفط والغاز من ارتفاع الأسعار، فيما تقفز أرباح شركات التأمين والنقل البحريَّين نتيجة قفزة أقساط التأمين على الشحنات في مناطق النزاع. وتحقق شركات الدفاع والخدمات المرتبطة بأمن الطاقة والبنية التحتية مكاسب في حين تتزايد الحاجة إلى حماية خطوط الملاحة ومنشآت النفط والغاز.
خاسرون
في مقابل هذه المكاسب المحدودة، تظهر قائمة طويلة من الخاسرين، لم تتضح تماماً لأن الأضرار التي تلحق بالمنشآت الاقتصادية جراء الأعمال القتالية لم تُحصَر. تأتي إيران نفسها في مقدمة المتضررين، إذ تواجه خسائر مباشرة في بنيتها التحتية للطاقة والتجارة، إضافة إلى تشديد الضغوط المالية والعقوبات، ما يحدّ من قدرتها على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط.
كذلك تُعَدّ قطر من أبرز الخاسرين في الخليج بسبب اعتماد اقتصادها الكبير على صادرات الغاز الطبيعي المسال، فطاقتها الإنتاجية التي تبلغ نحو 77 مليون طن سنوياً تواجه اضطرابات في الشحن والتصدير، ما يحرمها مؤقتاً من الاستفادة الكاملة من ارتفاع الأسعار العالمية للغاز.
وفي الخليج أيضاً، تتعرض نماذج اقتصادية قائمة على الخدمات إلى ضغوط كبيرة. فاقتصادات مثل دولة الإمارات، التي تعتمد على الطيران والسياحة والخدمات المالية والعقارية، تشهد تراجعاً في حركة السفر والاستثمار نتيجة المخاطر الأمنية. تُلغَى آلاف الرحلات الجوية في المنطقة أو يُعَاد توجيهها، ما يلحق ضرراً بقطاع الطيران والسياحة الذي تُقدَّر قيمته في الشرق الأوسط بنحو 367 مليار دولار سنوياً.
وتتسع دائرة الخاسرين خارج المنطقة لتشمل دولاً آسيوية تعتمد بشدة على واردات الطاقة من الخليج. الهند، التي تستورد نحو 55 في المئة من نفطها من الشرق الأوسط، تواجه ارتفاعاً في فاتورة الطاقة وضغوطاً على النمو. أما اليابان، التي يأتي نحو 95 في المئة من وارداتها النفطية من المنطقة، فتجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد أكثر على احتياطياتها الاستراتيجية التي تكفي لنحو 250 يوماً.
في المقابل، تدخل الأسواق العالمية مرحلة جديدة من التقلب. ترتفع أسعار النفط في شكل حاد مع تصاعد المخاوف في شأن الإمدادات، في وقت يبحث فيه المشترون عن بدائل للإمدادات الخليجية. كذلك تتزايد أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا بسبب اضطراب صادرات الغاز المسال.
وتتضرر أيضاً قطاعات صناعية رئيسية. مثلاً، تعتمد البتروكيماويات في آسيا في شكل كبير على النافتا المستوردة من الشرق الأوسط (يأتي أكثر من 60 في المئة من إمدادات المادة من المنطقة). ومع اضطراب الشحنات، تضطر بعض المصافي والمصانع إلى خفض الإنتاج.

وتقفز تكاليف الشحن البحري والتأمين إذ باتت شركات النقل البحري تفرض رسوماً إضافية على الشحنات العابرة للمنطقة، بينما تتزايد أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة نقل النفط والسلع. ومع اضطرار بعض السفن إلى الالتفاف حول أفريقيا بدلاً من المرور عبر البحر الأحمر والخليج، ترتفع أيضاً تكاليف الوقود ومدة الرحلات.
هذا التطور يقلق مصر التي تعتمد كثيراً على عوائد قناة السويس. قبل حرب غزة سجّلت قناة السويس إيرادات قياسية بلغت نحو 10.25 مليارات دولار في عام 2023، لكنها تراجعت إلى نحو أربعة مليارات دولار في كل من عامي 2024 و2025 بسبب اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وتخشى مصر من حصول انخفاض إضافي في العوائد إذا أدت حرب إيران إلى توسيع المخاطر على طرق الشحن في المنطقة.
خلاصة
تكشف الحرب حول إيران حقيقة اقتصادية واضحة: الرابحون فيها قليلون ومحدودو الأثر، بينما الخاسرون كثر وتمتد خسائرهم بين القارات. حتى الدول التي تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة تواجه في المقابل تباطؤاً في التجارة العالمية وارتفاعاً في تكاليف النقل والتأمين.
ولهذا تبدو النتيجة الأوسع للحرب إعادة رسم لخريطة الطاقة والتجارة العالمية، وليس مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط. كلما طال أمد النزاع، يزداد الضغط على الاقتصاد العالمي، وتتفاقم احتمالات دخوله في مرحلة من التضخم المرتفع والنمو الضعيف، في معادلة تذكّر العالم بأزمات الطاقة الكبرى التي هزّت اقتصاده في العقود الماضية من الزمن.
نبض