العقيدة الحربية الأميركية الجديدة… ماذا تعني للبنان و"حزب الله"؟

كتاب النهار 07-03-2026 | 06:32

العقيدة الحربية الأميركية الجديدة… ماذا تعني للبنان و"حزب الله"؟

تكشف العقيدة الأميركية الجديدة حقيقة قد تكون قاسية بالنسبة للبنان: المرحلة التي كانت فيها واشنطن تسعى إلى وقف الحروب وإدارة التوازنات تبدو اليوم في طريقها إلى النهاية. أما المرحلة الجديدة، فهي تقوم على تمكين الحلفاء من تحقيق النصر.
العقيدة الحربية الأميركية الجديدة… ماذا تعني للبنان و"حزب الله"؟
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (أ ف ب)
Smaller Bigger

ما يجري في واشنطن اليوم، في خضم الهجوم المشترك على إيران مع تل أبيب، ليس مجرد تبدل في الخطاب السياسي، بل تحول عميق في العقيدة الاستراتيجية التي حكمت الشرق الأوسط لعقود. وعندما تتغير العقيدة الأميركية، فإن انعكاساتها لا تبقى نظرية أو بعيدة، بل تتحول سريعاً إلى وقائع سياسية وعسكرية على الأرض.

وفي ضوء التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة تماماً: مرحلة لا تقوم على إدارة الصراعات، بل على حسمها.

قال هيغسيث بوضوح: "لقد ولّى زمن الاعتذارات الأميركية. لسنا هنا لإدارة الصراعات، بل لمساعدة حلفائنا على الانتصار". بهذه الجملة وحدها تختصر الإدارة الأميركية الجديدة الفارق بين المرحلة السابقة والمرحلة التي تتشكل اليوم.

لسنوات طويلة اعتمدت الولايات المتحدة سياسة تقوم على احتواء الأزمات ومنع انفجارها. وكانت واشنطن تضغط باستمرار على حلفائها – وفي مقدمتهم إسرائيل – لضبط النفس وتجنب التصعيد. لكن الخطاب الجديد يعلن نهاية هذه المرحلة. فبحسب هيغسيث: "هدفنا ليس السلام الصناعي، بل تحقيق نصر ساحق على محور الشر. السلام يتحقق بالقوة، لا بالأوراق والعقود مع الإرهابيين".

هذه ليست مجرد عبارة سياسية. إنها إعلان صريح بأن المقاربة الأميركية لم تعد تقوم على تثبيت التوازنات، بل على تغييرها. التحول الأكثر وضوحاً في هذه العقيدة يتعلق بمكانة إسرائيل نفسها. ففي الخطاب الأميركي الجديد، لم تعد إسرائيل تُعامل كحليف يجب ضبط سلوكه، بل كأصل استراتيجي أساسي في مواجهة خصوم الولايات المتحدة في المنطقة.

يقول وزير الدفاع الأميركي بوضوح: "إسرائيل ليست مجرد حليف، بل هي خط الدفاع الأول عن الحرية في الشرق الأوسط.". ويضيف: "عندما نمنح إسرائيل الأدوات اللازمة للانتصار، فإننا ننقذ الجنود الأميركيين في ساحات المعارك المستقبلية”. بهذا المعنى، لم يعد دعم إسرائيل مجرد مسألة تحالف سياسي، بل أصبح جزءاً من العقيدة الأمنية الأميركية نفسها.

لسنوات طويلة، كانت الرسالة الأميركية لإسرائيل واضحة: الرد يجب أن يكون متناسباً. لكن الخطاب الجديد يقلب هذه المعادلة. يقول هيغسيث: "لسنوات كنا نقول لإسرائيل: اضبطوا أنفسكم. ردوا بما يتناسب مع الموقف. هذه ليست لغة الحلفاء". ويضيف بوضوح أكبر: "الحليف الفعّال هو القادر على القضاء نهائياً على التهديد الذي يواجهه".

هذا التحول يعني عملياً أن واشنطن لم تعد ترى في الحروب الإقليمية أزمات يجب احتواؤها، بل معارك يمكن أن تنتهي بحسم واضح.

ماذا يعني ذلك لـ"حزب الله"؟ في ضوء هذه العقيدة الجديدة، لا يمكن قراءة المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله" كصراع حدودي محدود. ففي نظر واشنطن، يشكل "حزب الله" أحد أهم أذرع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وإذا كانت إسرائيل تُعرَّف اليوم كخط الدفاع الأول في مواجهة هذا النفوذ، فإن المواجهة مع الحزب تصبح جزءاً من معركة أوسع تتجاوز لبنان نفسه.

ومن هنا يصبح من الصعب تصور أن تتوقف الحرب قبل تحقيق هدف واضح: إزالة "حزب الله" ككيان وليس تهديده العسكري فقط.

في هذا السياق، يقول هيغسيث: "دورنا في وزارة الدفاع هو إزالة العوائق وضمان امتلاك إسرائيل مستودعات ذخيرة كاملة والدعم السياسي اللازم لتحقيق النصر".

المشكلة أنّ تداعيات هذه المعادلة لا تقع على "حزب الله" وحده، بل على لبنان كله. فوجود قوة عسكرية مرتبطة بإيران داخل لبنان يجعل البلد، بحكم الأمر الواقع، جزءاً من الصراع بين الولايات المتحدة والمحور الإيراني.

ومع التحول في العقيدة الأميركية، يصبح من الواضح أن الحرب الدائرة اليوم لا تُدار بهدف احتواء التصعيد، بل بهدف تغيير المعادلة جذرياً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالخطر لم يعد احتمالاً نظرياً يمكن تجنبه عبر الديبلوماسية أو التهدئة. إنه خطر واقعي قائم وجارٍ بالفعل على الأرض، ويتقدم نحو مرحلته الحاسمة.

هذا الواقع يضع لبنان أمام لحظة سياسية صعبة. فدولة صغيرة تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراع إقليمي كبير لا تملك السيطرة عليه.

وفي ظل غياب احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، يبقى لبنان معرضاً لأن يتحول إلى ساحة معركة في مواجهة تتجاوز حدوده بكثير. وعليه، فإن أي توجه للسلطة اللبنانية نحو معالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، بما في ذلك حل الجناح العسكري لـ"حزب الله" وحظر نشاطات الحرس الثوري الإيراني في لبنان، لا يمكن اعتباره خطوة استثنائية أو خاضعة لضغوط خارجية. بل هو، في ظل التحولات الإقليمية الجارية، خيار طبيعي وبديهي وضروري. فلبنان لا يستطيع أن يتحمل كلفة البقاء ساحة مفتوحة لصراع إقليمي كبير.

في النهاية، تكشف العقيدة الأميركية الجديدة حقيقة قد تكون قاسية بالنسبة للبنان: المرحلة التي كانت فيها واشنطن تسعى إلى وقف الحروب وإدارة التوازنات تبدو اليوم في طريقها إلى النهاية. أما المرحلة الجديدة، فهي تقوم على تمكين الحلفاء من تحقيق النصر.

وفي ظل هذه المقاربة، يبدو أن الحرب الدائرة لن تتوقف بمجرد العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة، بل فقط عندما تُعتبر التهديدات التي تواجه إسرائيل قد أُزيلت بصورة حاسمة.

بالنسبة للبنان، هذا يعني أن الصراع الذي يعيشه اليوم ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل جزء من معادلة إقليمية أكبر… معادلة بدأت بالفعل، وما زالت تتقدم نحو نهايتها.

والويل لمن لا يعرف أن يتأقلم!

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
المشرق-العربي 3/6/2026 6:00:00 AM
إلى أي مدى تمتلك إيران القدرة العسكرية على إصابة هذا الموقع الحساس، وما التداعيات المحتملة إذا تعرّض المفاعل فعلاً لهجوم مباشر؟
المشرق-العربي 3/6/2026 11:36:00 AM
منذ بدء الحرب بهجوم أميركي-إسرائيلي مشترك على إيران يوم السبت، حضت الحكومات الأجنبية مواطنيها على مغادرة دول الشرق الأوسط