.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
"بِـحرب الكبار شو ذَنْب الطُفولِه"؟ صرخةٌ وجيعة أَطلقتْها الخالدة فيروز قبل 49 سنة في رائعة الأَخوين رحباني: مسرحية "بترا" (1977).
نادتْني هذه الصرخة وأَنا أَمام مشْهَدٍ صامتٍ أَعمقَ وأَبلغَ من كلِّ الكلام في صورةٍ تلقَّيْتُها قبل يومين: موكبُ نازحين شمالًا، فيه سيارتان متجاورتان، متلازَّتان كثيرًا بسبب الزحمة في شارع ضيِّق. من نافذة إِحداهما طفلٌ في نحو الرابعة يمدُّ يده خارجًا، في كفِّه فطيرةُ خبزٍ يُسْديها إِلى طفلةٍ في سنِّه تَمدُّ يدها من نافذة السيارة اللصيقة المجاورة، وتتلقَّف الفطيرة في كفِّها.
هذه هي الصورةُ الصامتة البليغة: فطيرةُ خبزٍ بين كَفَّي طفلَيْن، وابتسامتان بريئتان من عالَم الطفولة.
لا أَعرف مَن هُما الطفلان، ولا من أَين ينزحان، ولا إِلى أَين يذهب بهما أَهلُهما في تَيْنك السيارتَيْن وسْط غابة من السيارات النازحة على عجلٍ بذعر وقلق وغضب. لا أَعرف أَيَّ تفصيلٍ عنهما. ولا يَهُمُّ أَن أَعرف. منظرُهُما وحدَه أَهمُّ من أَن أَعرف. بادرةُ الطفل حيال تلك الطفلة جارتِه في السيارة الأُخرى، تَختصر ملحمةً إِنسانيةً من القهْر، يعيشُها نازحون من قلب لبنان إِلى قلب لبنان.
لا أَعرف مَن هُما. فَلْأُسَمِّهِما محمود وسناء. ولْأَخترقْ هذه الصورة لأَستنطقَ وجهَيهما الغافلَيْن عن كلِّ ما يجري، عن كلِّ كيف ولِماذا وإِلى أَين. لا يعرفان كيف جرى ما جرى. ولا لِماذا أَيقظَهُما والِدُوهما وانتشلُوهُما من فراشهما الدافئ. ولا إِلى أَيْن يذهبُ بهما أَهلُهما. لا يعرفان شو يعني أَنهما من الجنوب أَو من ضاحية بيروت الجنوبية أَو من البقاع، ولا شو يعني أَنهما من أُسرتَيْن شيعيَّتَيْن، وأَنهما من طائفة كبرى رئيسَةٍ في لبنان، ذاتِ تاريخٍ عريقٍ وطقوسٍ مباركةٍ وأَعلامٍ خالدين.