.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
من أوجه عديدة يمكن اعتبار الحرب الإسرائيلية ـ الأميركية ضد إيران، والميليشيات التابعة لها، بمثابة امتدادٍ للتداعيات الناجمة عن عملية "طوفان الأقصى"، التي بادرت إليها حركة "حماس".
معلوم أن تلك العملية أدت إلى تداعياتٍ كبيرةٍ، وخطيرةٍ، أهمها: أولاً، تقويض قدرات تلك الحركة، وإخراجها من السلطة، وتحويل قطاع غزة إلى منطقةٍ غير صالحة للعيش، لحوالى مليوني فلسطيني، كما نجم عنها تعزيز هيمنة إسرائيل على الفلسطينيين من النهر إلى البحر. ثانياً، إضعاف قدرات "حزب الله"، وإضعاف مكانته، وشرعيته، في لبنان وعلى الصعيد الإقليمي. ثالثاً، انهيار النظام السوري (أواخر 2024). رابعاً، تحجيم مكانة إيران، وانحسار نفوذها الإقليمي، الأمر الذي حصل بدفعٍ من حرب الـ 12 يوماً التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة (حزيران/يونيو 2025). خامساً، تكريس إسرائيل باعتبارها القوة المهيمنة في المشرق العربي. سادساً، تأكيد مكانة الولايات المتحدة قوةً دوليةً وحيدةً متحكمةً بمنطقة الشرق الأوسط.
القصد من تلك المقدمة التأكيد أن الحرب الراهنة ضد إيران لم تأت نتيجةً لتداعيات "طوفان الأقصى"، فحسب، إذ ثمة مداخلاتٍ أخرى دفعت إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، نحو شن تلك الحرب، وبكل تلك الطاقة المدمرة، والتي تأتي ضمن المعادلة الصفرية، التي باتت تستهدف إسقاط النظام الإيراني، وليس إعادته إلى خلف حدوده.
أما الدوافع، والمبررات، فتتأتّى من إصرار النظام الإيراني على امتلاك القدرة التي تمكنه من الاستحواذ على طاقةٍ نوويةٍ، وتعزيز ترسانته من الصواريخ الباليستية، والاستمرار في تقديم الدعم الى ألميليشيات التي تشتغل أذرعاً إقليمية له، بخاصة في لبنان والعراق واليمن.
الفكرة هنا أن إسرائيل، والولايات المتحدة، باتتا تريان في النظام الإيراني تهديداً دائماً لأمن إسرائيل، والشرق الأوسط، الذي يعتبر منطقةً استراتيجيةً للمصالح الأميركية والغربية.
بيد أن النظام الإيراني كان كذلك طوال أكثر من عقدين، من دون أن تقوم إسرائيل أو الولايات المتحدة بالتعامل معه باعتباره عدواً ينبغي التخلص منه، من دون الدخول في أي مفاوضات، تؤدي إلى حلول وسط.
مثلاً، فإن الولايات المتحدة قامت، بعد غزوها العراق (2003) وإسقاطها نظام صدام حسين، بتسليمه الى إيران على بياض، عبر الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لها، وهي في ظل الحاكم الأميركي بول بريمر (في حينه) صاغت النظام السياسي العراقي، بحيث يبقى قادة تلك الميليشيات طبقةً حاكمةً مسيطرةً على عموم العراق، وبعدها تم السكوت عن التورط الإيراني في سوريا، دفاعاً عن نظام الأسد، وكشريكة له في ترويع السوريين وقتلهم وتشريدهم.
ومعلوم أن النظام الإيراني، قبل ذلك، كان شريكاً للولايات المتحدة في غزو أفغانستان (2001)، الذي أسقط نظام "طالبان"، كما كان شريكاً لها في غزوها العراق (2003)، وعبر ميليشياتها الطائفية المسلحة.
في المحصلة، فقد باتت إيران منذ 2003، أي بعد إسقاط نظام صدام وهيمنتها على العراق، وبعد ذلك سوريا، بمثابة القوة الإقليمية الأكثر فعالية في منطقة المشرق العربي، حتى أكثر من الطرفين الإقليميين الآخرين، أي تركيا وإسرائيل، إلى درجةٍ وصلت ببعض مسؤوليها حدّ التبجّح بأن بلدهم (إيران) باتت تسيطر على أربع عواصم عربية، هي بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء (وثمة من أضاف غزة أيضاً).
عموماً، فإن هذا الوضع لم يكن بقدرات إيران، إذ هو نشأ نتيجة لمحاولة الولايات المتحدة (في عهد الجمهوريين والديموقراطيين) الاستثمار في سياساتها، الطموحة، أو الحمقاء، في محيطها، وضمن ذلك ابتزاز أنظمة الخليج العربي، وتصديع بني الدولة والمجتمع في دول المشرق العربي، وهو ما نجحت فيه، في المجالين المذكورين، عبر خلقها ميليشيات طائفية مسلحة، وإشهارها التهديد والابتزاز ضد دول الخليج العربي.
من الواضح الآن، أن تلك الاستراتيجية الأميركية، في شأن الاستثمار في سياسات إيران الإقليمية، تغيرت، ليس لأنها فشلت، بل لأنها نجحت، بالنظر الى واقع الحال في دول المشرق العربي (واليمن) ومجتمعاتهما، وبالنظر للتصدعات السياسية والمجتمعية والاقتصادية والأمنية فيها، بمعنى أن وظيفة إيران انتهت، بعد أن أكلت أكلها، ما يعني أن عملية "الطوفان"، مجرد قرع جرس النهاية، لا أكثر ولا أقل.
باختصار، ما يجري الآن هو صراع ذو محصلة صفرية، بالنظر إلى أن أحداً من الطرفين لن يلجأ إلى التفاوض، إذ لن ترضى الولايات المتحدة وإسرائيل أقل من استسلام النظام الإيراني، ولا يمكن لأحد أن يتوقع منهما أقل من ذلك، خصوصاً إنهما تريان في الوضع الدولي والإقليمي الراهن مثابة فرصة سانحة لهما، للمضي نحو هدفهما، وهما تمتلكان القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تؤدي إلى ذلك.
في المقابل، فإن النظام الإيراني لا يرى أن ثمة نافذةً لمفاوضاتٍ في الأفق، وأن كل التسويات تتطلب استسلامه، لذا فهو يرى أنه يخوض معركته الأخيرة على وجوده، علماً أنها بمثابة معركةٍ انتحاريةٍ، لكأنه يكرر في ذلك ما حصل في تجربتي "حماس" و"حزب الله"، وقبلهما تجربة نظام صدام، وهو تصميم ينبع من رؤيةٍ قدرية، وروحٍ عاطفية، ومبالغةٍ بالذات.
مرةً أخرى، الخاسر الأكبر في هكذا حروب انتحارية هي الشعوب التي تدفع من دمها وإمكاناتها ومستقبلها سياسات هذا النوع من الأنظمة، بما في ذلك الشعب الإيراني، والمشكلة أن كل ذلك يجري تحت غطاء المقاومة ومصارعة إسرائيل، في حين أن ذلك لا يخدم سوى إسرائيل.