.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
شكّل اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي لحظةً مفصليةً في حسابات الجزائر الإقليمية، جراء ما ترتّب عليه من اختلالٍ في شبكة التحالفات التي ظلّت الجزائر تقدّم نفسها من خلالها كإحدى آخر قلاع "المقاومة والممانعة" في المنطقة العربية. بيد أن هذا التصنيف يبقى ظاهرةً صوتيةً أكثر منه فعلاً ميدانياً مؤثراً، وقوده ما بقي عالقاً من شعاراتٍ ثوريةٍ تعود إلى زمن الحرب الباردة.
في ظرف سنتين فقط، فقدت الجزائر حليفين استراتيجيين في منطقتين مختلفتين هما: سوريا في الشرق الأوسط وفنزويلا في أميركا اللاتينية. جرت إطاحة بشار الأسد في دمشق، ثم إطاحة نيكولاس مادورو في كاراكاس.
جسّد هذا السقوط تآكلاً تدريجياً في المحور الذي كانت الجزائر ترى فيه سنداً سياسياً ورمزياً. ومع الضربة الأميركية-الإسرائيلية لإيران، بدا جلياً أن مرايا الحلقة الثالثة في نسق هذا المحور قد انكسرت، لتجد الجزائر نفسها أمام مشهدٍ إقليميٍّ يُعاد تشكيله من دونها.
لم يكن تقاطع المصالح أو تشابه الخطاب السياسي هو الخيط الناظم الوحيد بين الأنظمة الثلاثة، بل أيضاً التلاقي في الخصومة مع المغرب ودعم جبهة البوليساريو الانفصالية. ومن ثمّ، لم تكن الجزائر تنظر إلى التحالف مع سوريا وفنزويلا وإيران باعتباره اصطفافاً أيديولوجياً فحسب، بل باعتباره أيضاً امتداداً مباشراً لأولوياتها الاستراتيجية المتعلقة بنزاع الصحراء.
لقد دأبت الجزائر، منذ استقلالها عام 1962، على ترداد سردياتٍ، بينها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. غير أن هذا الخطاب ظلّ انتقائياً في تطبيقه، إذ استُثني منه المغرب بصفته حالةً خاصةً في العقيدة السياسية الجزائرية.
في ظل شعورها المتزايد بالعزلة، جراء توتر علاقاتها مع المغرب وعدد من دول الساحل، وامتداد هذا التوتر إلى شركاءٍ أوروبيين وخليجيين، رأت الجزائر في الخلاف السعودي-الإماراتي الأخير منفذاً محتملاً لإعادة التموضع. وبدا الأمر كأنه فرصةً لخلخلة الاصطفافات وإعادة ترتيب الأوراق.
بيد أن الرهان على خلافٍ عابرٍ بين دولتين يرتبط مصيرهما الاستراتيجي ببعضهما البعض، اعتُبر أقرب إلى قراءة ظرفية منه إلى تقديرٍ عميقٍ لطبيعة العلاقات الخليجية-الخليجية، التي سرعان ما تعود إلى توازنها الطبيعي مهما بلغت الاختلافات والخلافات. وفي الأزمة الخليجية-القطرية مثال واضح على ذلك.
عندما أعلنت الجزائر، قبل أسابيع، أن أمن السعودية "خط أحمر"، بدا الموقف منسجماً مع رغبتها في كسر عزلتها. لكن هذا الخطاب سرعان ما تعرّض للاختبار مع انطلاق الهجمات الإيرانية على دول الخليج. هنا ظهر التردد جلياً من خلال بيان أول محتشمٍ لوزارة الخارجية يدعو إلى "ضبط النفس"، من دون تسمية المعتدي أو إدانةٍ صريحةٍ، مع استعمال لغةٍ ديبلوماسيةٍ حذرة تعكس محاولة التوفيق بين تضامنٍ معلنٍ مع السعودية وحساباتٍ أكثر تعقيداً حيال طهران.
إلا أن الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني، في اليوم التالي لبدء الهجمات، غيّر المعادلة. ووجدت الجزائر نفسها مضطرة إلى الانتقال من موقع التحفّظ إلى خطاب أكثر وضوحاً، تجلّى في الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس تبون مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إذ تضمن تعبيراً صريحاً عن التضامن مع السعودية.