حين أخطأت طهران العنوان

مقالات 03-03-2026 | 09:36

حين أخطأت طهران العنوان

السلوك الإيراني لا يكشف قوة بقدر ما يكشف فقداناً للبوصلة
حين أخطأت طهران العنوان
الشيخ محمد بن زايد في جولة بمول دبي أمس.
Smaller Bigger

استهداف دول الخليج لم يكن ردّاً عسكرياً عادياً يمكن وضعه في خانة تبادل الضربات. ما فعله النظام الإيراني كان أوسع وأخطر، لأنه نقل النار إلى دول كانت حتى اللحظة الأخيرة تعمل على خفض التصعيد وتفادي الحرب. هنا تحديداً أخطأت طهران العنوان. بدلاً من حصر ردّها في ساحة المواجهة المباشرة، وسّعت الاشتباك نحو الجوار الخليجي، كأن المطلوب أن يدفع الإقليم كله ثمن أزمة ليست من صنعه. والنتيجة أن إيران لم تضغط على خصومها بقدر ما وسّعت عزلتها، وأعادت تثبيت صورتها بوصفها مصدر الخطر الأكثر إلحاحاً على استقرار الخليج.

السلوك الإيراني لا يكشف قوة بقدر ما يكشف فقداناً للبوصلة. وكأن طهران تريد القول إن أمن المنطقة سيدفع الثمن كلما ضاق هامشها. وهذا ليس سلوك دولة تبحث عن تخفيف أزمتها، بل سلوك نظام ما زال ينظر إلى الجوار الخليجي كساحة ضغط، حتى لو كان هذا الجوار قد مدّ له قنوات الحوار وراهن على التهدئة. وهنا تتضح المفارقة السياسية، أن دولاً حاولت تجنيب المنطقة الانفجار وجدت نفسها هدفاً مباشراً للصواريخ والمسيّرات، بما ينسف ما تبقى من الثقة، ويعطي من حذّروا طويلاً من الخطر الإيراني حجة إضافية لا تحتاج إلى كثير شرح.

بعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، دخلت إيران مرحلة أشد تعقيداً، لأن الأنظار تتجه الآن إلى الجهة التي ستدير المرحلة التالية وطبيعة الخيارات التي ستتبناها. الاحتمال الأول هو أن ينجح الحرس الثوري ومؤسسات النظام في ضبط الانتقال وإعادة إنتاج التشدد نفسه بواجهة جديدة، وعندها لن يكون الخليج أمام مراجعة إيرانية حقيقية، بل أمام نسخة أشد توتراً من السلوك نفسه. والاحتمال الثاني هو انتقال مرتبك يفتح صراعاً على السلطة داخل طهران، بما يحمله ذلك من فوضى أوسع. في الحالتين، الخطر لا يرتبط باسم المرشد فقط، بل بالبنية التي أنتجت هذا السلوك طوال العقود الماضية.

الأخطر في التصعيد الإيراني أنه فتح ملف مضيق هرمز على مصراعيه. التقارير تحدثت عن سفن طُلب منها عدم دخول المضيق، وعن تعطّل في حركة العبور حوله، وهو ما يكفي وحده لإظهار حجم التحديات. المسألة هنا لا تتعلق بممر بحري عادي، بل بشريان يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي وجزء مهم من الغاز والتجارة البحرية. لذلك فإن أي تعطيل، ولو كان محدوداً زمنياً، يرفع كلفة الطاقة والتأمين والشحن، ويدفع الأزمة من الخليج إلى الأسواق العالمية. والمفارقة أن هذه الورقة لا تضغط على الآخرين فقط، بل ترتد على إيران نفسها، لأنها تربك صادراتها وتفتح الباب أمام ضغوط دولية أوسع من قوى كبرى لا تستطيع تحمّل هزة طويلة في هذا الممر الحيوي.
لهذا يبقى مضيق هرمز سلاحاً محفوفاً بكلفة كبيرة على إيران نفسها. فالإغلاق الواسع لا يعني الضغط على خصومها فقط، بل يعني أيضاً فتح الباب أمام ائتلاف دولي أوسع، وتحويل أداة الردع إلى عبء استراتيجي عليها. من هنا تبدو طهران أكثر ميلاً إلى التلويح بالمضيق من الذهاب إلى إغلاق كامل، لأن مجرد التهديد يكفي لرفع الأسعار وإرباك الشحن ودفع الأسواق إلى القلق. أما التنفيذ الكامل، فيبقى مغامرة قد تنقلب على إيران قبل غيرها.

الكلفة السياسية للهجمات الإيرانية بدأت تظهر سريعاً. الإمارات أعلنت إغلاق سفارتها في طهران، وسحب سفيرها وأعضاء بعثتها، ثم استدعت السفير الإيراني في أبوظبي وسلمته مذكرة احتجاج. هذا التطور يقول إن طهران لم توسّع دائرة الصراع فقط، بل دفعت دول المنطقة إلى تشديد موقفها منها. وإذا استمرت الهجمات، فلن تبقى دول الخليج في موقع الدفاع وحده، بل قد تنتقل إلى دفاع إيجابي لحماية أمنها واستقرارها. وإذا أرادت طهران الخروج من هذه اللحظة بأقل الخسائر، فلن يكون ذلك عبر الصواريخ أو هرمز أو تهديد الجوار، بل عبر مراجعة متأخرة كان يفترض أن تبدأ منذ زمن، مراجعة تعيدها من منطق الثورة إلى منطق الدولة، ومن معادلة الفوضى إلى معادلة حسن الجوار.

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/2/2026 10:43:00 AM
نبأ منسوب إلى وكالة "رويترز"، وتصريحات مزعومة للرئيس الروسي. و"النّهار" تقصت صحّتها. 
لبنان 3/2/2026 4:07:00 PM
نواف سلام: ما قام به حزب الله يشكل خروجاً عن مقررات مجلس الوزراء