سجال حول دور الجامعة الجزائرية في تنفيذ مشاريع التنمية

كتاب النهار 03-03-2026 | 05:55
سجال حول دور الجامعة الجزائرية في تنفيذ مشاريع التنمية
شهد البرلمان الجزائري أخيراً نقاشاً إيجابياً مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري، تمحور حول علاقة الجامعة الجزائرية بالتنمية الوطنية.
سجال حول دور الجامعة الجزائرية في تنفيذ مشاريع التنمية
وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري
Smaller Bigger

شهد البرلمان الجزائري أخيراً نقاشاً إيجابياً مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري، تمحور حول علاقة الجامعة الجزائرية بالتنمية الوطنية. ومن حسنات هذا السجال أنه انتقل إلى فضاء وسائط التواصل الاجتماعي بحيث شارك في تشخيص واقع منظومة التعليم العالي الجزائري عدد من الأكاديميين والإعلاميين وأفراد الجمهور البسيط.

خلال هذا النقاش الذي دار تحت قبة البرلمان، لاحظ أحد البرلمانيين أن مشروع تأسيس المؤسسات الناشئة ذات الطابع المقاولاتي ضمن النسيج البيداغوجي، يبعد الجامعة الجزائرية عن مهمتها الأساسية وهي تلقين العلوم والأفكار وتحصيلها. وبالتزامن، أكد أن هذا التوجه لم يثمر حتى الآن المساهمة المطلوبة للساعدة على رفع منسوب الدخل المالي الوطني. رغم هذه الملاحظات، فإن هذا البرلماني لا يرى مانعاً من تكليف الطلاب الباحثين والأساتذة المشرفين عليهم إنتاج المذكرات والأطروحات التي تتناول بالتحليل العلمي العميق قضايا التنمية الاقتصادية، شرط أن يُدعم ذلك أولاً بالتكوين النظري والعملي الذي يؤدي إلى الابتكار الذي يضمن تزويد الطلاب الرصيد العلمي في المجال المقاولاتي، مع تتويج كل ذلك بالمتابعة الميدانية بهدف تجسيد مضامين البحوث الأكاديمية في الميدان.

وفي الواقع، فإن النقاش الذي دار على مستوى وسائط التواصل الاجتماعي حول الدور التنموي للجامعة الجزائرية مهم جداً، لكونه يقدم صورةً مصغرةً عن انشغال بعض أفراد المجتمع بالغايات المرجوة من منظومة التعليم العالي في الجزائر. وفي هذا الصدد، نورد هنا ثلاثة نماذج من الأراء مثل تعليق الشيخ بن قايد الذي يرى أنه "ليس من مهمات الجامعة إنشاء مؤسسات ناشئة أو مصغرة وتمويلها، لأن هذا من صلاحيات وزارة أخرى" وهي وزارة المؤسسات المصغرة والناشئة واقتصاد المعرفة، ثم يضيف: "لا ننكر التحول الإيجابي للجامعة الجزائرية لانفتاحها على محيطها كمحركٍ ابتكاريّ إبداعي على مستوى مشاريع الطلاب المتخرجين". ولكن بن منَين جمال لا يشاطر الشيخ بن قايد الرأي إذ يقول: "لا أعتقد أن تحويل مشاريع تخرج الطلبة إلى مشاريعٍ مقاولاتيةٍ تضرّ بالتحصيل العلمي، فمذكرات التخرج موجودة منذ القدم، وإن توجيهها لتصبح مشاريعاً قابلةً للتطبيق وللتحول إلى مؤسساتٍ ناشئة هو توجه محمود".

أما جميلة طلاح فتقف موقفاً نقدياً وسطاً بقولها: "ليس الخطأ في دعم المؤسسات الناشئة وحاضنات الأعمال داخل الجامعة، بل الخطأ في تحويلها إلى محورٍ رئيسيّ للجامعة بدل أن تبقى أحد المسارات التكاملية الداعمة لأدوارها الأساسية في التعليم والبحث العلمي وإنتاج المعرفة".

ويلاحظ المرء أن السجال المذكور داخل البرلمان وعلى مستوى وسائط التواصل الاجتماعي، لم يتنبّه إلى مسألةٍ مهمةٍ تتمثل في ندرة تنسيق منظومة التعليم العالي والبحث العلمي مع وزارة التكوين المهني والوزارات الأخرى المنتجة للثروة، لتأصيل التكوين التقني والعلمي الذي يؤهلها أن تكون عنصراً فاعلاً في ترشيد الاقتصاد الوطني.

في هذا السياق، يرى خبراء جزائريون متخصصون في تاريخ التعليم الجامعي الجزائري أن الجامعة في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين لم تكن معزولة عن الحياة الاقتصادية، إذ كان الطلاب بمثابة الحاضنة لما كانت تدعى في ذلك الحين الثورات الفلاحية والزراعية والصناعية والثقافية، أي أنهم كانوا على صلة وثيقة بالمحيط الاجتماعي والثقافي، وبقطاع الفلاحة والزراعة من خلال مشاركاتهم الدائمة في إسناد خيار التعريب، وفي عمليات التشجير لمحاربة التصحر في الجنوب الجزائري خصوصاً، وفي دعم نشاطات الفلاحين والمزارعين في القرى الاشتراكية المنتشرة عبر البلاد حينذاك. ولكن هذا التوجه تلاشى بعد وفاة بومدين والتخلي عن النهج الاشتراكي.