المنطقة بتوقيت ترامب

كتاب النهار 02-03-2026 | 04:49
المنطقة بتوقيت ترامب
ترامب الذي يدخل غرفة عمليات الحرب مرتدياً قبعة "أميركا أولاً"، يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي باستخدام القوة العسكرية والاقتصادية والضغط السياسي لتعزيز نفوذ الولايات المتحدة في عصر الاقتصاد الرقمي، وتوفير حاجتها من الموارد والمعادن الجديدة. غير أن هذا الشعار قاده فعلياً إلى التورط في حرب تُستثمر أساساً لصالح إسرائيل...
المنطقة بتوقيت ترامب
صورة مركبة تظهر ترامب وروبيو وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز وهم يراقبون ”عملية الغضب الملحمي“ ضد إيران (أ ف ب)
Smaller Bigger

على غرار ما حدث خلال مفاوضات حزيران/يونيو 2025، اندلعت الحرب مجدداً على إيران، السبت 28 شباط/ فبراير 2026، وسط حالة تشاؤم تسود المنطقة، ليست من الجانب الإيراني بقدر ما تنبع من الجانب الأميركي، إذ بدت الولايات المتحدة كأنها تتحرك تحت ضغط الرغبة الإسرائيلية الساعية إلى تجريد إيران من أي عنصر قوة في المعادلة الإقليمية، وهو ما يتعارض مع المنطق، وحتى مع الإدراك الذي تشكل لدى القوى الإقليمية حول خطورة إقصاء إيران بالكامل من ميزان التوازن.

ويظهر أن الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، الساعية إلى إعادة صوغ العالم وفق رؤيتها، تحاول الاستفادة من القوة الإسرائيلية باعتبارها أداةً لترسيخ الخريطة الجديدة التي يرسمها الرئيس الجمهوري لصالح واشنطن. فاستقرار إسرائيل، وفق تصوره، يخدم مصالح اقتصاديةً مثل ممر التجارة المتجه من الهند نحو أوروبا مروراً بميناء حيفا، في مقابل تعطيل الممرات المنافسة القادمة من الصين عبر باكستان أو إيران، وكذلك تلك المرتبطة بالمصالح الروسية. لكن هذا التصور يتجاهل طبيعة العالم المتغير، إذ لا يمكن واشنطن تجميده أو التحكم به وفق رغباتها فقط. ولذلك لم يجْنِ ترامب مكاسب تذكر من سياساته حتى الآن، كما أنه لن يحقق استقراراً حقيقياً في الشرق الأوسط وإن سقط النظام في طهران، لأن جذور أزمات المنطقة أقدم بكثير من نظام ولاية الفقيه بعد ثورة 1979.

ترامب الذي يدخل غرفة عمليات الحرب مرتدياً قبعة "أميركا أولاً"، يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي باستخدام القوة العسكرية والاقتصادية والضغط السياسي لتعزيز نفوذ الولايات المتحدة في عصر الاقتصاد الرقمي، وتوفير حاجتها من الموارد والمعادن الجديدة التي تدعم سيادتها في هذا العصر. غير أن هذا الشعار قاده فعلياً إلى التورط في حرب تُستثمر أساساً لصالح إسرائيل، بعدما فشل في الحصول من طهران على صورة "الامتثال الكامل" التي يطمح إليها لتحقيق استقرار طويل الأمد للمنطقة، وهي رؤية نابعة من الغطرسة الأميركية وخيالاتها، وإلا ما كانت القوى الإقليمية الحليفة لواشنطن نفسها تفقد الثقة بطريقة تفكيرها، فاتجهت إلى نسج تحالفات مع باكستان وتركيا والهند وروسيا والصين.

حتى الموقف المتزن الذي أظهرته القوى الخليجية والعربية يعكس قلقاً حقيقياً من مستقبل السياسة الأميركية. ففي الوقت الذي شكّلت فيه المقاتلات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية حائطاً نارياً فوق العراق لاعتراض المسيّرات والصواريخ الإيرانية المتجهة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، كانت الصواريخ الإيرانية تضرب القواعد الأميركية داخل دول المنطقة. وهذا يعني أن ترامب، الذي يتبع خطى سلفه الجمهوري ديفيد ايزنهاور في السعي لوجود حكومة موالية في طهران، يأخذ اليوم المنطقة رهينةً لصالح خياله! لذلك يكرر في خطاباته المتناقضة قدرته على إطالة الحرب أو تقصيرها!

ومع ذلك لا يمكن اختزال الحالة التي وصلت إليها المنطقة بعبارة أن ترامب يضع إيران تحت التهديد العسكري، فإن كانت طهران تكسب الوقت عبر اتفاق مرحلي حتى نهاية إدارة ترامب، بينما يصر هو على اتفاق دائم، فإنه لا يمارس ضغطاً بقدر ما يفتح أبواب الانفجار في المنطقة. بل إن محاولته "تعديل سلوك" النظام الإيراني قد تفضي إلى ظهور نظام أكثر توحشاً مستقبلاً.

الأخطر أن دعمه غير المحدود لإسرائيل أضر بالتوازن الأمني، بعدما اعترف بالقدس عاصمة لها ودعم التوسع الاستيطاني ومنحها غطاءً سياسياً وعسكرياً مفتوحاً. وهكذا بدا كأنه يستبدل إيران الخمينية بإسرائيل الصهيونية، في مشهد يهدد استقرار المنطقة بأكملها. فإن كانت المنطقة تحلم بالتغيير داخل إيران، فإن ذلك لن يتحقق من دون وقوع التغيير في إسرائيل أيضاً، ما يجعل زمن ترامب بعيداً عن أي حل حقيقي؛ لأنه ببساطة ليس إلهاً ولا نصف إله!