الغضب الملحمي يغير قواعد اللعبة: النظام الإيراني على شفا الانهيار

كتاب النهار 01-03-2026 | 07:18
الغضب الملحمي يغير قواعد اللعبة: النظام الإيراني على شفا الانهيار
كانت هذه العملية مدروسة ومكبّلة من قبل قيادات عسكرية في انتظار القرار السياسي لدونالد ترامب
الغضب الملحمي يغير قواعد اللعبة: النظام الإيراني على شفا الانهيار
أطفال سوريون يقفون على حطام صاروخ إيراني قيل إن القوات الإسرائيلية اعترضته في ريف القنيطرة الجنوبي، بالقرب من مرتفعات الجولان (أ ف ب)
Smaller Bigger

عملية "الغضب الملحمي" التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد النظام في إيران رافقها التعهد بالسحق التام وليس الاستعداد لجولة أخرى من المماطلات والمحادثات وتقطير التنازلات.

كانت هذه العملية مدروسة ومكبّلة من قبل قيادات عسكرية في انتظار القرار السياسي لدونالد ترامب. وعندما اتخذ ذلك القرار بعد طول تردد وانتظار، لم يتحدث ترامب عن الجانب النووي فقط وإنما أيضاً عن الصواريخ الإيرانية وعن الوكلاء والأذرع لإيران في المنطقة. تعمّد الإشارة إلى ما أسماه بالتاريخ الإرهابي للجمهورية الإسلامية الإيرانية ضد الولايات المتحدة والمصالح الأميركية، وأعلن عزمه على إسقاط النظام.

استدعى أركان النظام إلى الاستسلام والحصول على الحصانة، وإلا السحق في انتظارهم، وذكّر الشعب الإيراني بأن هذه لحظة لا يمكن تعويضها للسيطرة على مصيره، لأن لديه الآن رئيساً أميركياً جاهزاً لدعمه بعدما كان لسنوات يطلب من الرؤساء السابقين المساعدة بلا جدوى.

انتظر الرئيس الأميركي إلى أن حصل على شبه ضمانات 100% من المؤسسة العسكرية بأن العملية في إيران لن تفشّله ولن تكون فاشلة، لأنه كان يخشى الفشل وارتداده عليه وعلى الولايات المتحدة. تحدث عن أنه لا بد أن يسقط ضحايا من بين الجنود في الحروب — وهذا جديد على اللغة التي يستخدمها الرؤساء الأميركيون، لأنهم يحاولون أن يطمئنوا الشعب الأميركي بأن القوات الأميركية في أمان بغض النظر عما تفعل.

مبدئياً، في ذهن القيادات الأميركية استكمال العملية في طهران في غضون أسبوع، ذلك لأنها وضعت خططاً لاستهداف مفاصل النظام الأساسية وقطع القدرة على التواصل بينها وبين مختلف المواقع داخل إيران وكذلك مع الوكلاء خارج إيران، بمعنى شل كامل القدرات لأركان النظام على إصدار الأوامر والتنسيق في ما بينها.

مبدئياً، إن الهدف الأساسي الذي وضع لزعزعة النظام لم يتمثل فقط في استهداف القيادات الدينية والسياسية الأساسية المهمة، وإنما في الاستهداف المكبّل لقيادات الحرس الثوري الإيراني الذي يصدر التعليمات للوكلاء في الخارج مثل "حزب الله" في لبنان والحوثي في اليمن والحشد الشعبي في العراق.

مبدئياً، إن هدف الرئيس الأميركي ليس تدمير كامل بنية النظام كما حدث عند الغزو والاحتلال الأميركي للعراق في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش. فليس في ذهن ترامب ارتكاب الخطأ الفادح الذي ارتكبه بوش بتسريح وتفكيك الجيش — الأمر الذي كان كارثياً.

رهان ترامب ومؤسساته العسكرية والاستخباراتية مبني جزئياً على استمرارية الجيش الإيراني — سواءً بقي متماسكاً أو حدث في صفوفه انشقاق. ففي استمراره مفاتيح احتواء الفوضى واستقطاب جزء من الغاضبين من تدمير النظام.

إنما القيادات المدنية داخل إيران وخارجها في صفوف المعارضة لها بالتأكيد أدوار مهمة في المرحلة الانتقالية في إيران. الأهم والمحوري بالنسبة إلى الغايات الأميركية والإسرائيلية هو تدمير الحرس الثوري الإيراني بكل ما في معنى الكلمة من تدمير. أما المفاصل الأخرى من النظام، فإن زعزعتها أو شلها أو احتواءها فسيكون أسهل الحلقات. هذا طبعاً إلى جانب ضعضعة النظام بكامله من خلال استهداف واغتيال القيادات.

مذهل مدى إساءة القيادات الإيرانية قراءة الولايات المتحدة الأميركية وبالذات الرئيس دونالد ترامب. مذهل كم ظنت القيادات الإيرانية أن في وسعها شراء الرئيس الأميركي عبر إغراءات اقتصادية واستثمارية كبديل عن الاستحقاقات المطلوبة منها نووياً وصاروخياً وفي موضوع الأذرع والوكلاء. مذهل كم ظنت القيادات الإيرانية أنها بارعة في لعبة شراء الوقت وأنها أسقطت ترامب في فخ تلك اللعبة وأنها بتنازلاتها المتتالية يمكن أن تحقق أهدافها الكبرى، أي حصر المفاوضات والتفاهمات في الملف النووي دون غيره، والنجاح في استبعاد ملف الصواريخ والوكلاء عن المحادثات.

مذهل كم استهترت القيادات الإيرانية بجدية القيادات الأميركية عند الإصرار على طرح موضوع الصواريخ الباليستية وموضوع الميليشيات التابعة لإيران في المنطقة على طاولة المحادثات. مذهل كم بلغت الثقة بالنفس إيرانياً لدرجة أن القيادات ظنت أن تقطير التنازلات هو الوسيلة الأفضل للحصول على تفاهمات وصفقات.

ومذهل أيضاً كيف تصورت قيادات الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن استهدافها للدول العربية الخليجية التي كانت تعارض العمليات العسكرية سيكون أمراً عابراً عندما أطلقت صواريخها على هذه الدول ودبت الذعر في صفوف الناس فيما كانت هي المذعورة حقاً وعملياً.

كان في إمكان الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تنقذ النظام لو تحلت بالواقعية والرصانة والبراغماتية وتفاوضت على أساس الواقع وبجدية.

أخطأت القيادات الإيرانية أيضاً في تقدير وضعها الإقليمي والدولي، إذ كان عليها أن تفهم أن لا الصين ولا روسيا ستأتي إلى مساعدتها ومساندتها عند وقوع الحرب مع الولايات المتحدة. أوقعت نفسها في خندق العزل ووجدت نفسها وحيدة في الحصار.

عملياً، لقد أوقعت قيادات الحرس الثوري في طهران كل من "حزب الله" في لبنان والحوثي في اليمن والحشد الشعبي في العراق في مأزق ليست مستعدة أن تنقذه منه ولا هي قادرة على مد حبل الخلاص. عملياً، تخلت إيران عن وكلائها كما تخلى عنها حلفاؤها في الساعة الحرجة.

سمِّه الكبرياء والعنفوان الاستراتيجي، سمِّه الصبر الاستراتيجي، إن ما يحدث الآن فعلياً في صفوف النظام في طهران هو الانتحار الاستراتيجي.

فلا عودة أبداً إلى نظام الأمس في إيران مهما قصرت الحرب أو طالت. ولا قدرة لدى وكلاء إيران على فرض شروطهم أو التباهي بانتصارات وهمية مبنية فقط على مدى الخسارة التي ألحقت بالأعداء.

فنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية تزعزع في بنيته التحتية، ولا فائدة من دفن الرؤوس في الرمال.