وقعت الحرب التي يخشاها الجميع... فهل يُخرج "الغضب الإلهي" الأميركي إيراناً جديدة؟

كتاب النهار 28-02-2026 | 15:21

وقعت الحرب التي يخشاها الجميع... فهل يُخرج "الغضب الإلهي" الأميركي إيراناً جديدة؟

هذا الضغط يضع المنطقة برمتها أمام تساؤلات حاسمة حول حدود هذه الحرب، والمدى الزمني الواقعي لتغيير النظام في طهران.
وقعت الحرب التي يخشاها الجميع... فهل يُخرج "الغضب الإلهي" الأميركي إيراناً جديدة؟
دخان القصف على طهران، 28 فبراير 2026. (فرانس برس)
Smaller Bigger

إنها عملية بجناحين: "الغضب الإلهي" الأميركي، و"زئير الأسد" الإسرائيلي... وتمثل ذروة سياسة "الضغط الأقصى" التي تنتهجها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران. جناحان بطبيعتين متشابهتين تقريباً: الإغارة بلا توقف... وبهدف واحد تقريباً: تطويع النظام في طهران. هذا الضغط يضع المنطقة برمتها أمام تساؤلات حاسمة حول حدود هذه الحرب، والمدى الزمني الواقعي لتغيير النظام، ومدى فاعلية القوة الجوية في كسر إرادة نظام أظهر مرونة فائقة وقدرة على الرد الصاروخي متعدد الاتجاهات.

حدود المواجهة وأبعادها
تتحدد حدود الحرب الحالية بمزيج من الأهداف الاستراتيجية المعلنة والقيود العملياتية على الأرض. ووفقاً لتصريحات ترامب، فإن الهدف الأساسي هو تدمير الصناعة الصاروخية الإيرانية، ومنع طهران من الحصول على سلاح نووي، وشلّ أذرع النظام الإقليمية. ومن طبيعة الحشد البحري والجوي، تبدو هذه الحرب محصورة تقريباً في إطار "العمليات القتالية الكبرى" الجوية والبحرية، من دون مؤشرات على غزو بري شامل.

وشملت الضربات الجوية الأولية أهدافاً في طهران وأصفهان وقم وكرج وكرمانشاه وتبريز وإيلام. ولم تقتصر الهجمات على المنشآت العسكرية وحدها، بل استهدفت أيضاً المجمع السكني للمرشد الأعلى علي خامنئي، ومكتب الرئاسة في طهران. ويشير هذا التوسع في بنك الأهداف إلى أن "الحدود" التقليدية للحروب المحدودة قد جرى تجاوزها نحو استراتيجية "قطع الرأس" والتعطيل الشامل لمؤسسات الدولة.

 

إيرانيون يحاولون إخلاء شارع في طهران بعد بدء الضربات. (فرانس برس).jpg
إيرانيون يحاولون إخلاء شارع في طهران بعد بدء الضربات. (فرانس برس).jpg

 

وتتمثل حدود الحرب أيضاً في الموقف الدولي المتباين: فبينما تدفع واشنطن وتل أبيب نحو تغيير جذري، تحذر قوى مثل روسيا والصين من التداعيات الكارثية لهذا النهج. فقد شككت روسيا، على لسان ديمتري ميدفيديف، في "نَفَس" الولايات المتحدة الطويل في مواجهة حضارة فارسية تمتد 2500 عام، ووصفت المفاوضات التي كانت جارية بين مسقط وجنيف بأنها "غطاء" للعملية العسكرية، لا أكثر.

أما الصين، التي تشتري نحو 80% من النفط الإيراني، فتنظر إلى الحرب بوصفها تهديداً مباشراً لأمنها الطاقي، وهو ما قد يدفعها إلى اتخاذ إجراءات مضادة عبر القنوات الديبلوماسية والاقتصادية.

جدلية تغيير النظام
هل الغارات الجوية كافية لتغيير النظام في إيران؟ يمثل البحث عن إجابة معضلة استراتيجية كبرى. فقد دعا ترامب الإيرانيين بوضوح إلى "الاستيلاء على حكومتهم"، مشيراً إلى أن هذه قد تكون "فرصتهم الوحيدة التي لن تتكرر لأجيال". ومع ذلك، تشير التحليلات العسكرية إلى أن المدى الزمني لتحقيق هذا الهدف قد يكون أطول بكثير مما يتوقعه الأميركيون.

تاريخياً، واجهت القوة الجوية صعوبات في "السيطرة على الأحداث على الأرض" بعد تكثيف الغارات. وفي الحالة الإيرانية، يجادل خبراء في معهد دراسات الحرب (ISW) ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بأن نظام الملالي في طهران "ضعيف"، وبدأ يفقد قبضته بفعل الأزمات المتلاحقة، ما قد يجعل الغارات الجوية بمنزلة "القشة التي تقصم ظهر البعير".

 

دراج يمر بلوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران، إيران، 26 فبراير 2026. (فرانس برس)
دراج يمر بلوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران، إيران، 26 فبراير 2026. (فرانس برس)

 

يمكن للغارات الجوية أن تسرّع عملية تغيير النظام عبر آليتين أساسيتين: الأولى، تشجيع المتظاهرين على الإمساك بالشارع من خلال إضعاف الأجهزة الأمنية وإظهار عجز النظام عن حماية سيادته، ما يرفع سقف مطالب الشارع ويقلل من هيبة القمع؛ والثانية، إثارة الانشقاقات، إذ إن استهداف القيادات العليا، وتحديداً المرشد علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان، قد يخلق فراغاً في القيادة يشجع العناصر الأقل تعصباً أيديولوجياً في الجيش والشرطة على التخلي عن النظام لتجنب "الموت المحتوم".

وعلى الرغم من هذه التوقعات، يرى آخرون أن النظام الإيراني يمتلك بنية أمنية "عنيدة"، مبنية على عقود من ممارسات الحرب غير المتماثلة. وقد يتطلب تغيير النظام حملة جوية تستمر أسابيع أو حتى أشهراً، تتجاوز كثيراً "حرب الـ12 يوماً" التي اندلعت في حزيران/يونيو 2025. وإذا لم تترجم الضربات الجوية إلى انشقاقات واسعة أو ثورة شعبية، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى النظر في خيارات أعلى كلفة، بما فيها استخدام القوات الخاصة لتدمير المخابئ العميقة، أو حتى التدخل البري المحدود، وهو ما حذر منه محللون باعتباره "مستنقعاً" محتملاً.

معضلة الاستنزاف
أظهرت إيران قدرة ملحوظة على شنّ هجمات صاروخية متزامنة في اتجاهات متعددة، نحو إسرائيل، ونحو قواعد عسكرية أميركية في العراق وكردستان والبحرين وقطر والإمارات، وهو ما يطرح تحدياً كبيراً أمام فرضية قدرة الضربات الجوية على حسم المعركة.

تكمن مشكلة المخططين العسكريين في واشنطن وتل أبيب في أن إيران تمتلك آلاف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، الموزعة على منصات إطلاق متحركة. ويمكن إخفاء هذه المنصات في مناطق الغابات، أو تحت الجسور، أو في "مدن الصواريخ" العميقة، ما يجعل تدميرها بالقوة الجوية أمراً بالغ الصعوبة في وقت قصير. وللتذكير، كان ترامب قد أكد بعد الحرب الماضية أن طائراته دمرت البرنامج النووي الإيراني بالكامل، قبل أن يتبين أن هذا الكلام كان للاستهلاك الإعلامي لا أكثر.

 

يهود يصلون في أحد الملاجئ بتل أبيب بعد بدء الرد الإيراني. (فرانس برس)
يهود يصلون في أحد الملاجئ بتل أبيب بعد بدء الرد الإيراني. (فرانس برس)

 

علاوة على ذلك، استعادت إيران بعد حرب يونيو 2025 مخزونها من الصواريخ الثقيلة، وزادته إلى نحو 2000 صاروخ قادرة على ضرب إسرائيل. كما أن قدرتها على "إشباع" الدفاعات الجوية المتطورة عبر إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ في وقت واحد، تزيد من مخاطر وقوع إصابات كبيرة في صفوف القوات الأميركية وحلفائها، ما قد يؤدي إلى ضغوط سياسية داخلية في الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

ويظهر التاريخ أن الحروب الجوية التي لا يتبعها تغيير سياسي سريع تتحول غالباً إلى صراعات استنزاف طويلة. كما أن الرد الإيراني الصاروخي والسيبراني، واستخدام الوكلاء الإقليميين (مثل الحوثيين وميليشيات العراق، وربما حزب الله اللبناني)، قد يرفع كلفة الحرب إلى مستويات غير مقبولة للدول المستضيفة للقواعد الأميركية، ما قد يخلق تصدعات في التحالف الإقليمي المناوئ لإيران.

إلى جانب ذلك، فإن غياب بديل منظم للنظام القائم قد يؤدي إلى تفكك إيران إلى فصائل متناحرة، ما يخلق تهديداً أمنياً جديداً يتسم بالفوضى وانتشار السلاح الصاروخي والنووي بين جهات غير دولية.

الأيام القليلة المقبلة ستحدد ما إذا كان رهان الثنائي ترامب - نتنياهو على القوة الجوية الساحقة سيؤدي إلى ولادة "إيران جديدة"، أم سيقود المنطقة إلى صراع أوسع وأكثر دموية يتجاوز الحدود المرسومة مسبقاً. وفي جميع الأحوال، فإن قدرة إيران على امتصاص الصدمة الأولى والرد في اتجاهات متعددة تشير إلى أن المعركة لا تزال في بدايتها، وأن معادلة الردع القديمة قد ولّت إلى غير رجعة... فيما لم تتضح بعد ملامح المعادلة الجديدة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

آراء 2/26/2026 7:26:00 PM
التشكيك في نيات الإمارات حيال أمن المنطقة والسعودية تحديداً واستقرارها، عبث ويتجاهل حقائق ووقائع دامغة في التاريخ القريب.
اقتصاد وأعمال 2/28/2026 3:05:00 AM
ثاني عملية استدعاء للعلامة التجارية خلال أقل من شهر...
سياسة 2/27/2026 8:46:00 PM
الخزانة الأميركية تحذف اسم داني خوري من لائحة العقوبات بعد إدراجه عام 2021 بشبهة الفساد.