انتخابات لبنان... ما علاقة إيران؟
بات ربط الانتخابات التشريعية اللبنانية بالملف الإيراني أمراً واقعاً، فلا انتخابات في حال اندلعت الحرب التي لا أحد يستطيع التكهن بمجرياتها ونتائجها، ولا عذر مقنعاً لعدم إجرائها إذا لم تندلع الحرب التي كانت ترتفع أسهمها يوماً ثم تنخفض في اليوم التالي ثم تعود إلى الارتفاع. يلعب الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعبة القط والفأر مع الإيرانيين وتتفرج المنطقة على "السيرك" المشدود بحبال منظورة وغير منظورة على حافة الجحيم.
لم تظهر حماسة سياسية للانتخابات كأن الجميع ينتظرون التأجيل رسمياً، البورصة تتغير يومياً: انتخابات... لا انتخابات... تأجيل تقني قصير... تأجيل مديد. حتى أصحاب "العلم" فقدوا البوصلة. تأتي المعلومات متناقضة من الإقليم ومن عواصم القرار العالمية. تتنشر معلومات عن رغبة دولية في تأجيل الانتخابات إلى ما بعد نزع سلاح "حزب الله" للتخلص من تأثيره على حرية الناخبين في مناطق نفوذه، على أمل خفض حصته من النواب وتقليص نفوذه وسيطرته على الطائفة الشيعية بالشراكة مع حليفته حركة "أمل" بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري.
نبيه بري وحده يدير اللعبة داخلياً حتى الآن، يقرأ التطورات ويتابع أحداث الإقليم بدقة، والموقف "كل يوم بيومه". يؤكد أنه يريد الانتخابات، لكنه يدرك أن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فيتريث من دون أن يتخلى عن إصراره. لا يأخذ على عاتقه مهمة التأجيل إذا كان لا بد منه. رئيس المجلس الذي يطوع النظام الداخلي للمجلس وفق رؤيته الدستورية والسياسية، يتسلح هنا بالدستور لرفض التمديد للمجلس، لكنه ليس رفضاً نهائياً إذا اقتضت الظروف ذلك. بالنسبة إليه الانتخابات حاصلة، وظيفته أن يجعلها تحصل، وكذلك مصلحته السياسية قبل أن يحصل ما يغير المعادلات بشكل دراماتيكي.
لا يمكن بري إلّا أن يكون مع إجراء الانتخابات في موعدها، تماماً كما يفترض برئيس الجمهورية جوزف عون الذي تمثل الانتخابات بالنسبة إليه تحدياً محورياً يقاس عليه نجاح عهده والتزامه وعوده في خطاب القسم. لكن فيما يبقى إصرار عون على الانتخابات في سياق السياسة العامة لعهده، ينخرط بري في التفاصيل باعتباره رئيساً للسلطة التشريعية ورئيساً لكتلة برلمانية وازنة ومرشحاً لرئاسة المجلس النيابي المقبل وهو على أبواب التسعين من عمره، وحليفاً لـ"حزب الله" وشقيقاً أكبر ناطقاً ومفاوضاً باسمه في الأيام الصعبة.
بري مفاوض صعب، صحيح أنه يجيد تدوير الزوايا، لكنه لا يتراجع ولا يتنازل، ومنذ البداية أصرّ على إجراء الانتخابات وفق القانون النافذ- الصيغة التي يتهمها المعارضون بإهدار حق المغتربين في الانتخاب ومخالفة الدستور- وما زال السجال دائراً حول القانون الذي ستجرى الانتخابات بموجبه، هذا السجال الذي يمكن أن يشكل مخرجاً، تريده الطبقة السياسية مجتمعة، للعقدة الدستورية ولإمكان حصول تطورات تفرض التأجيل، ولعقدة سلاح "حزب الله" أيضاً.
ما زال البطء يطبع التحركات الانتخابية، بري سبق الجميع فأعلن ترشحه وتبعه مرشحو كتلته في رسالة توكيدية لتمسكه بالانتخابات في موعدها، وفي الخلفية، بالقانون الذي "لا يأتيه الباطل من أي جهة". قال كلمته وينتظر أن يقول الآخرون كلمتهم. بعضهم معترض وبعضهم موافق وبعضهم موافق على مضض على المشاركة في الانتخابات بحسب قانون بري، وبعضهم ينتظر شيئاً ما يغير المعادلات. لكن القطار انطلق والجميع سيركبون.
تحاذر القوى السياسية الوقوع في فخ المهل الدستورية، ويتوقع أن تشهد الفترة حتى 10 آذار /مارس إقبالاً على تقديم طلبات الترشح، حتى مع عدم اليقين التام بإجرائها، وليكن بعد ذلك ما يكون.
تخوض القوى السياسية في انتخابات هذا العام معركة يريدها فريق ما كانت تسمى قوى 14 آذار فرصة تغيير كبير تكسر التوازن في التمثيل البرلماني الذي جمّد العمل البرلماني والقرار السياسي في البلاد منذ عشرين عاماً، مستفيداً من الزلزال العسكري والسياسي الذي أحدثته حروب المنطقة وسقوط النظام السوري وتداعيات كل ذلك على "حزب الله" وعلى لبنان عموماً. ويخوضها "حزب الله" مع من تبقى من أصدقاء وحلفاء معركة وجود.
قد يكون عدد كبير من المقاعد محسوماً منذ الآن، لكن المزاج الشعبي بعد الحروب الأخيرة يصعب التقاطه بدقة. ربما تخبئ الصناديق مفاجآت!
نبض