سلمى مرشاق سليم رحلت إلى "لقمانها"
خلال مُتابعتي جريمة اغتيال لقمان سليم في العام 2021، وقعت على كنز لم أكن أعرفه سابقاً. اكتشاف جديد، إنسان جديد، من زمن مضى، من زمن القيم، والثقافة، والحضارة، بل يمكن القول من زمن الإنسانيّة التي تناقض الهمجيّة السائدة حاليّاً.
وبقدر ما تأثّرت سلباً في الجريمة، تحوّل بعض اهتمامي إلى الوالدة، الإنسانة، المثقّفة، المؤمنة، الواعية. إنها السيدة سلمى مرشاق سليم، التي غادرتنا، هي النبيلة التي عوض أن تدعو إلى الانتقام، إلى الحقد، إلى الرفض، سألت القتلة على الدوام: "ماذا استفادوا؟ أضاعوا طاقة كانت موجودة للبنان".
حاولت التفريق بين ثقافتين، واحدة عبرت عنها بقولها "نحن تربينا أن العلم والفكر والأخلاق أهم حاجة. الدنيا تعارضنا فننكفئ، ونجلس في بيتنا نقرأ"، وأخرى كان القتلة يمثلونها قوامها رفض الآخر وإعدامه.
السيدة سلمى، التي تنتمي اجتماعياً لـ”"شوام مصر"، أي أهل بلاد الشام الذين هاجروا إلى مصر، هي نتاج تلك الثقافة المتنوعة، المركبة في هويتها من عناصر عدة، من أبويين مسيحيين، من دولتين مختلفتين، لترتبط تالياً بمسلم شيعي، دون أن يُشكل لها الانتماء الديني والطائفي حاجزاً يحول دون أن تكون شخصيتها الخاصة، وتربي أبناءها في أجواء مدنية، علمانية، تتصف باحترام الآخر، وتنوع الثقافات.
أثّرت الهجرة في حياة سلمى مرشاق كثيراً وتركّز اهتمامها على الأسباب التي دفعت بأجدادها للهجرة حيث كانت مصر الدولة الارحب. واعتبرت أنّ محبّة مصر هي فوق كل موضوع.
كانت تؤكد: لا أنسى جذور والدي ووالدتي، وكنت أحبّ بلدة جون كثيراً. ودير المخلّص في جوارها. إلّا أن مصر طبعت شخصيّتي، وأثّرت في انتمائي إليها. أحبّ مصر، وأزورها كلّ سنة.
السيدة النبيلة التي كانت تخفي حزنها على نجلها لقمان سليم هل كانت أكبر من المصيبة؟ تجيب: "لست أكبر من المصيبة. لقمان لم يكن فقط ابني. هو صديقي وشريكي ونديمي. ينهكني غيابه، ويصيبني في صحّتي وفي قلبي، لكن الحزن شيء خاص. لقمان لا يُفارقني، أتحدّث معه كل ليلة، وأبكي. أنا حزينة. حزينة عليه، وعلى نفسي، وعلى العائلة، وعلى مجتمع يزداد انغلاقاً، وعلى وطن يخسر أبناءه المفكّرين".
أمس، حملت حزنها وعادت إلى لقمانها ليخسر الوطن العربي واحدة من كبار مفكريه.
نبض