غزة على طاولة مجلس السلام
اجتماع واشنطن الأول لـ"مجلس السلام" كان اختباراً عملياً لمسار تريد الولايات المتحدة إدارته بعيداً من بطء الأطر التقليدية. طُرحت تعهدات تتجاوز سبعة مليارات دولار، مع إعلان أميركي عن عشرة مليارات، لكن جوهر الجلسة يحدّده التنفيذ داخل غزة.
المطلوب الآن آلية مالية واضحة للتمويل والرقابة والصرف، ومسار ميداني منضبط لمرحلة الإغاثة ثم إعادة الإعمار وتنسيق الجهد على الأرض. وبالتوازي مع ملفات المرحلة التالية المطروحة، نزع السلاح، إعداد قوة شرطة فلسطينية، تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وحسم شكل الإدارة الانتقالية وشروط عملها على الأرض.
إعلان سمو الشيخ عبد الله بن زايد، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، تخصيص 1.2 مليار دولار لدعم غزة عبر مجلس السلام، يضيف إلى سجل إماراتي مستمر منذ اليوم الأول للحرب ولم ينقطع. ومع تأكيد معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الديبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، أن الإمارات قدمت 45% من إجمالي الدعم الإنساني الدولي لغزة، يصبح محور الحديث مرتبطاً بالقدرة التشغيلية التي أوصلت المساعدات فعلياً إلى الداخل، وباستمرارية تمتد من الإغاثة إلى التعافي ثم الإعمار.
وضع الاجتماع ملف التمويل في الواجهة باعتباره اختبار الجدية الأول. التقارير التي سبقت الجلسة وتلتها تحدثت عن ترتيبات مصرفية لإدارة التحويلات والمدفوعات، وعن ضوابط رقابية على الحسابات والصرف، مع طرح أدوات دولية مثل صندوق ائتماني يُدار عبر البنك الدولي لإدارة جزء من المساعدات.
هنا تتحدد قدرة المجلس على التحرك سريعاً، لأن أي غموض مالي يعني بطء الصرف وتشتت القنوات وتراجع ثقة المانحين، وهي عوامل كفيلة بتعطيل الإغاثة ثم إبطاء إعادة الإعمار. المطلوب مسار مالي محدد منذ البداية يوضح الإدارة والرقابة وخطوات الصرف، حتى تتحول التعهدات إلى تنفيذ يمكن قياسه على الأرض.
العقدة الأثقل في المرحلة التالية أمنية وسياسية معاً. مجلس السلام يضع نزع سلاح "حماس" شرطاً لبدء الإعمار، وإسرائيل تربط أي بناء بهذا الشرط. وفي الميدان تبدو "حماس" وهي تحاول إعادة ترتيب حضورها الإداري والأمني في المناطق التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي، ما يعني أن الانتقال لن يكون سريعاً ولا ممهّداً.
لذلك تحتاج الشرطة الفلسطينية الجديدة وقوة الاستقرار الدولية إلى جدول زمني واضح وصلاحيات محددة ومسؤوليات معلنة لكل طرف. والأهم أن تُربط الإدارة الانتقالية بإطار سياسي محدد يضبط الهدف النهائي حتى لا تتحول غزة إلى إدارة مؤقتة مفتوحة بلا أفق.
الدور الأوروبي دخل المشهد من باب المراقبة والتحفّظ معاً. دول أوروبية كبرى لم تنضم للمجلس واختارت الحضور بصفة مراقب، وداخل الاتحاد الأوروبي ظهر نقاش حول حدود المشاركة وغطائها السياسي. الإشارة الإيجابية الأهم جاءت مع الإعلان عن لقاء نيكولاي ملادينوف، المكلّف بإدارة ملف غزة في مجلس السلام مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، ومع طرح أوروبي عن بحث توسيع مهمّات بعثة تدريب الشرطة الفلسطينية لتشمل تدريب شرطة غزة. هذا المسار عملي لأن مرحلة الإغاثة ثم إعادة الإعمار ستحتاج إلى تمويل واسع وتنسيق تدريبي وأمني، ومعه يصبح ضرورياً توسيع دائرة الشركاء.
المقاربة الإماراتية في مسار مجلس السلام امتداد لما تعرفه غزة منذ بداية الحرب. مساعدات تصل إلى الداخل جواً وبحراً وبراً، ثم متابعة تشغيلية تضمن الاستمرارية. وهذا ما لخصته معالي ريم الهاشمي، وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي وعضو المجلس التنفيذي لغزة، في مقابلة مع "فوكس نيوز"، حين ربطت التحسن الإنساني بضرورة الاستمرار وعدم الاكتفاء بالحد الأدنى، ودعت إلى حل كريم يضمن للناس في غزة حياة مستقرة. الفكرة أن الدعم الإماراتي يتحرك كخط عمل يربط التمويل بتنظيم الجهد الإنساني، ويضغط باتجاه ترتيب سياسي يثبّت الاستقرار ويمنع عودة الأزمات كلما تعثرت الترتيبات.
الاستقرار في غزة لن تصنعه المساعدات وحدها، ولا السياسة وحدها. المطلوب مسار واحد يربط التمويل بالتنفيذ، ويصل الإغاثة بالتعافي، ويضع الإعمار تحت سقف سياسي واضح يمنع ارتداد الأزمة. هذا هو امتحان مجلس السلام، نقل غزة من هدنة قابلة للاهتزاز إلى إدارة انتقالية تعمل على الأرض، ثم إلى إعادة إعمار تُحمى أمنياً وتستقر اقتصادياً وتُثبَّت سياسياً.
* كاتب إماراتي
نبض