ما لم يقله الأمير الصغير عن الجهر بالحقيقة في زمن الخداع العالميّ
ما لم تقله أيّها الأمير الصغير في كتابكَ ("الأمير الصغير"، أنطوان دو سان إكزوبيري) عن الرؤية بالعين، تقوله الوقائع والفظائع في زمن الخداع العالميّ، من لبنان وصولًا إلى المجاهل والقطبين. أسمّي لبنان تحديدًا لأنّه بلدي، في حين أنّ ما أعنيه يشمل الشرور والجرائم جميعها، أينما كان، وفي كلّ زمان.
الفاشر مثلًا، أيّها الأمير الصغير، حيث لا تحتاج الإبادة الجماعيّة إلى برهان، ولا إلى "رؤية بالقلب". الوحش البشريّ هو البرهان، و... الجثامين.
كييف أيضًا، كراكاس، مجلس الأمن، العصابة الإبستينيّة، فلسطين، نينوى، غرينلاند، جبل العرب، جبل عامل، الساحل الفينيقيّ برمّته، أنطاكيا بالشوق، بلاد الكرد، اليمن، فارس، وهلمّ.
الرؤية بالقلب لا تكفي، على أهمّيّتها. علمًا أنّ صاحب السلطان يتعامى عن الرؤية بالعين، فضلًا عن الرؤية بالقلب. نرسيس السياسيّ، حين يعتاد على رؤية وجهه في المرآة، يستطيب محق الأنسنة، تأليه السلبطة، والاستبداد، والكذب، والسرقة، والقتل، فيروح يألف ما يعتاده، ويصير شديد الالتصاق به، كظلّه، حدّ أنّ ما يألفه يصبح "حقيقة" و"حقًّا"، فيتوقّف عن رؤية "طفله الداخليّ"، والإصغاء إليه، ويفقد القدرة على الرؤية بالبصيرة والعقل والقلب.
الآن، في هذا الوقت، لم تعد "الحقيقة" ولا "الحقّ" يعنيان أحدًا. الجهر بهما، بات شأنًا سخيفًا ومضجرًا للغاية. فالكلّ يصمّ آذانه، ويغمض عيونه. مع أنّ الكلّ يرى ويسمع. فها هو الأنين يملأ الأرض، لكنّ الاعتياد يجعلنا نألف هدير الماكينة الهائلة وهي تمضي بنا إلى القاع، فنستسيغ هذا الانخراط، وننخرط فيه. لقد بتنا جميعنا أعضاء مباشرين وغير مباشرين في هذه الأوركسترا المتوحّشة التي تصنع عهد الدم.
إنّي أتحدّث، يا صديقي، عن إدارة شؤون الأرض، عن الفعل السياسيّ، ممارسة السلطة، اللغة السياسيّة، الإعلام، وسائل التواصل، الذكاء الاصطناعيّ، الأساطيل، المجازر، الحروب، سرقة الحقوق، المؤامرات، وعن الثلاثين فضّةً، والحكومات، وممثّلي الشعوب، حيث كلّ شيء، على قول جورج أورويل، مصمّم لجعل الأكاذيب تبدو حقائق، والقتل محترَمًا، ولتضفي مظهرًا من الصلابة على ما ليس سوى هواء وهباء.
كلّ شيء مصمّم لجعل لا الأكاذيب حقيقةً فحسب، بل لجعل الدمار والخراب والإبادة واليأس من الإنسان والخير البشريّ مطلقًا... واقعًا أليفًا ومألوفًا.
فإلى أين تمضي هذه البشريّة الحمقاء، يا أميري، في ركضها السريع هذا؟ أنتَ تقول إنّ "البشر يركضون كثيرًا، لكن قلّة منهم تعرف إلى أين تمضي. السرعة لا تعني الاتجاه". حتّى هذه القلّة، إنّي أخشى أنْ لا تعود عارفة. أو هي عارفة، وتطنّش. وتألف. وتعتاد.
نحن القتلى، وأنتَ أيضًا، يا أميري الصغير، غصبًا عنّا، أو ضمنًا، نشارك في صناعة هؤلاء الوحوش، وفي تفقيس المسوخ والقتلة والجلّادين.
أنتَ وأنا مدعوّان إلى قول هذه الحقيقة، إلى رفض هذا الواقع، وإلى التمرّد عليه.
إنّه هو الجوهر الذي تحدّث عنه كتابكَ، يا أميري. وهذا الجوهر لا يكفي أنْ يُرى بالقلب فحسب. فهو أمامنا. ويجب أنْ يُرى بالعين، وبالحواسّ جميعها. ويجب الجهر به، أيّها الأمير الشاعر!
هاك أنا، على سبيل المثل، أيّها الأمير. هاك قلبي، يملك نجومًا كثيرة. لكنّه فقير، أيا الأمير، لأنّه لم يعد يعرف أنْ يضيء ولا حتّى نجمةً واحدة.
بعد قليل، قد لا أعثر على اللغة، على الكلمات، على فسحة، للجهر بالحقيقة، حقيقة هذا الوضع البشريّ المشين.
إنّ قول هذه الحقيقة (أينما كان، وفي لبنان)، والعمل بموجبها، في زمن الكذب الشامل والخداع العالميّ، هو وحده، يا أميري، الفعل المطلوب.
لن أتراجع. إيّاكَ أنْ!
نبض