السودان: حين تصبح المُسيَّرات أداة للإبادة وصناعة العدم

مقالات 20-02-2026 | 09:24

السودان: حين تصبح المُسيَّرات أداة للإبادة وصناعة العدم

لم يعد الصمت الدولي ممكناً أمام هول الفظائع،  والانتهاكات المرتكبة قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
السودان: حين تصبح المُسيَّرات أداة للإبادة وصناعة العدم
Smaller Bigger


منذ اندلاع شرارة الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، والسودان ينزلق نحو هاوية سحيقة، لا تبدو لها قرارة. غير أن المشهد اليوم تجاوز حدود النزاع المسلح التقليدي بين جيشين؛ فقد استحال إلى حرب شاملة ضد الوجود المدني، حيث باتت الطائرات المسيّرة والغارات الجوية "عناوين يومية" لاستهداف الأبرياء، ومحاصرة الطواقم الطبية، وخنق العاملين في الحقل الإنساني، خاصة في إقليمي دارفور وكردفان، اللذين يصنفان اليوم كبؤرة لأخطر أزمة إنسانية يشهدها كوكب الأرض.

لم يعد الصمت الدولي ممكناً أمام هول الفظائع، وهو ما تجلى في البيان المشترك الذي وقعه وزراء خارجية 28 دولة، إلى جانب المملكة المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي وسويسرا. هذا البيان لم يكن مجرد "تعبير عن القلق" باللغة الدبلوماسية المعتادة، بل حمل توصيفاً قانونياً ثقيلاً: إن الانتهاكات المرتكبة قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

هذه الإشارة ليست خطاباً عاطفياً، بل هي وضع للنزاع السوداني تحت مجهر القانون الدولي والعدالة الجنائية. إن الدعوة إلى تحقيقات سريعة ومستقلة تعكس إدراكاً عالمياً بأن ما يحدث في السودان ليس مجرد "أضرار جانبية"، بل هو استهداف ممنهج يتطلب وقفاً فورياً للقتال وضمان وصول المساعدات دون عوائق سياسية أو عسكرية.

على الأرض، تتحول الأرقام إلى وجوه، والبيانات إلى مآسٍ يندى لها الجبين. في قرية "أم رسوم" القريبة من "أبو زبد"، لم تجد الطائرات المسيرة هدفاً عسكرياً سوى تجمع للمدنيين عند مصادر المياه؛ سقطت القذائف لتختلط الدماء بالماء، مخلفة عشرات القتلى من النساء والأطفال، وفقاً لتوثيقات التحالف المدني الديمقراطي (صمود).

المشهد تكرر في "السنوط" بولاية غرب كردفان، حيث استهدف القصف مركزاً لإيواء النازحين الذين فروا من جحيم جنوب كردفان، ليجدوا الموت في انتظارهم داخل ملاجئهم المؤقتة.
أما في "سوق الصافية" بمحلية سودري، فقد تحول يوم التسوق إلى مأتم جماعي، بمقتل وإصابة أكثر من 60 مدنياً كانوا يبحثون عن رمق حياة وسط حصار الجوع والبارود.

إن استهداف الأسواق ومراكز الإيواء وموارد المياه ليس خطأً عسكرياً، بل هو إستراتيجية تهدف إلى تحطيم إرادة الحياة وتفريغ الأرض من سكانها.

المحصلة اليوم تضع الضمير الإنساني في اختبار عسير: عشرات الآلاف من القتلى، ونحو 14 مليون نازح ولاجئ، وانهيار كامل في بنية الدولة التحتية. ومع ذلك، يصر دعاة الاستمرار في الحرب على المضي قدماً، مستفيدين من "رافعة سياسية" تمثلها بقايا نظام الإخوان المسلمين، التي توفر الغطاء السياسي والتحريضي لاستمرار النزيف، وتعمل على تأجيل أي استحقاق للمساءلة عبر خلط الأوراق وإطالة أمد المواجهة.

إن الدعوات التي تبرز بين الحين والآخر لاستثمار المناسبات الدينية أو الإنسانية لوقف القتال ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي طوق نجاة أخير لإنقاذ ما تبقى من أرواح. لكن، يجب أن نعي جيداً أن أي تهدئة لا تتبعها محاسبة جادة ستظل مجرد استراحة محارب في حرب بلا رادع.

السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى صمت المدافع، بل يحتاج إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار تحت رقابة دولية، وتحقيقات مستقلة في الجرائم المرتكبة ضد المدنيين منذ 15 أبريل، ومساءلة سياسية وجنائية لا تستثني أحداً، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.

بدون ذلك، ستظل لغة الدم هي السائدة، وسيبقى السودان جرحاً نازفاً في خاصرة المنطقة والعالم، يهدد بانهيار إقليمي شامل لا يمكن التنبؤ بتبعاته.

لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن ثمن الانتصار العسكري المتوهم هو فناء السودان، وأن الطريق الوحيد للنجاة يبدأ بوقف الحرب، ثم الاعتراف بحقوق الضحايا ومحاسبة من تلطخت أيديهم بدمائهم.

فالتاريخ لا يذكر عدد الطائرات التي حلّقت، بل يذكر من أوقفها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
المشرق-العربي 2/18/2026 10:44:00 PM
ديكارلو: إننا نشهد ضمّاً تدريجياً بحكم الأمر الواقع للضفة الغربية، حيث تُغيّر الخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب المشهد تدريجياً
المشرق-العربي 2/19/2026 1:11:00 PM
أهمية هذا التحول لا تقتصر على الجانب السياحي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وثقافية واجتماعية واسعة.
المشرق-العربي 2/20/2026 9:14:00 AM
حماس: أي مسار سياسي أو ترتيبات تناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان