أميركا: من مرحلة الديبلوماسية المسلّحة إلى الضربة الشاملة؟
من المهم التوقف قليلاً عند بعض ما نشره موقع "إكسيوس" الإخباري الأميركي الذي برز في اليومين الماضيين كمنصة أساسية تنقل عن المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين مواقف دقيقة عن المناخات المتصلة أساساً باحتمال شن الولايات المتحدة هجوماً كبيراً على إيران، لا سيما أنها دخلت الآن مرحلة ديبلوماسية الإكراه في طريقها إلى القيام بضربة، ما لم تقبل طهران بشروطها التي لم يعلن عنها كلها في الإعلام، فيما جرى تسليط الضوء على محادثات الملف النووي والإعراض عن التركيز على ملفي الصواريخ الباليستية والميليشيات في المنطقة.
عملياً، يعتبر موقع "إكسيوس" في تحليل وزعه يوم أمس بشأن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من الحرب، أنه رغم وجود أسباب جوهرية معروفة تدفع الطرفين إلى صدام، فإن ثمة متغيراً أساسياً طرأ على هذه العلاقة السيئة والمتقلبة في آن معا، ألا وهو: "رغبة الرئيس دونالد ترامب بتغيير النظام الإيراني"، ما يشير إلى أن أي عملية عسكرية جديدة قد تتجاوز الأهداف التقليدية وأهمها حل النزاع حول البرنامج النووي بين البلدين. ومن هنا تبدو عملية التحشيد العسكري الأميركي مختلفة عما سبق. ومن هنا أيضاً تكمن خطورة الأيام القليلة المقبلة، لا سيما بعدما ذكر أن الجيش الأميركي أبلغ الرئيس باكتمال الإعداد بما يسمح بتنفيذ حملة جوية لأسابيع عدة ضد إيران. وعندما نتحدث عن حملة جوية لأسابيع فمعنى هذا أن النية ليست ردعية بمقدار ما تهدف إلى تقويض النظام نفسه، وصولاً إلى إطاحته بهجوم ساحق ومديد!
مع ذلك، لا يمكن تجاهل واقع يدفع المراقب إلى اعتبار أن المنطقة دخلت فعلاً مرحلة الخطوات الأخيرة التي تؤدي إلى أحد احتمالين: الأول أن يخرج الطرفان بصفقة تاريخيّة كبرى أساسها التغيير العميق في النظام الإيراني ينقل طهران من حضن التحالف الصيني - الروسي إلى حضن الولايات المتحدة على مختلف المستويات فتتغير صورة منطقة الشرق الأوسط لعقود قادمة. والثاني تختار واشنطن المجازفة بحرب ساحقة بهدف إسقاط النظام فتفتح الباب أمام تغيير عميق يكون أكثر كلفة وأكثر راديكالية.
في كلتا الحالتين نعود إلى ما كنا قد أشرنا إليه هنا مع مطلع الشهر الفائت وعنوانه أن النظام مات وإن لم يسقط بعد. فالمعلومات التي تخرج من الداخل الإيراني إلى دول الجوار تشير إلى أن نقاشاً عميقاً يجري في أروقة النظام يقوم على التفكير بمرحلة ما بعد المرشد الحالي علي خامنئي، على قاعدة أن صيغة النظام الإيراني، إن لم يسقط، ستشهد تغييرات كبيرة، فيما تنتقل إيران بخطى ثابتة إلى معسكر الولايات المتحدة مالياً واقتصادياً تمهيداً للاصطفاف السياسي والأمني. هذه المعلومات لا تقوم على التخيّلات بل على تنامي التفكير الواقعي في صفوف تيارات صاعدة داخل النظام أدركت سقوط العقيدة الدفاعية (للنظام) التي صاغها المرشد وفريقه اللصيق قبل ثلاثة عقود، سقطت نهائياً مع عملية "طوفان الأقصى" في 6 تشرين الأول - أكتوبر 2023، وبالتالي فإن تخلف أسلوب التفاوض الذي يديره المرشد ومجموعة المحيطين به من أمثال علي لاريجاني وعلي أكبر ولايتي وعلي شامخاني، فضلاً عن أركان المؤسسة الدينية المتشددة وجلهم رجال دين متقدمون في السن ومتأخرون في الانتباه إلى التغيير الذي حل في المنطقة. هؤلاء يفاوضون أميركا بعقلية ما قبل 7 تشرين الأول 2023، أكان على مستوى الملف النووي الذي يحتاج أن يتم إنهاؤه، أو ملف الصواريخ الباليستية التي سينتهي بها الأمر إلى التفكيك أو التدمير، أو الميليشيات في العراق ولبنان واليمن التي ستُسحق بطريقة أو بأخرى.
بناءً على ما تقدم، فإن الهوامش تقلصت كثيراً والفارق واضح بين هذا الحشد الذي وجهه الرئيس دونالد ترامب إلى المنطقة الذي يقول الخبراء العسكريون عنه ألّا مثيل له منذ حرب تحرير الكويت عام 2003، والحل العسكري الذي كان يلوّح به الرؤساء الأميركيون السابقون وعلى رأسهم باراك أوباما وجو بايدن اللذان لم يقرنا التهديدات بالأفعال. وبالتالي تمكنت إيران من تجاوز الكثير من الضغوط الأميركية.
هذه المرة المسألة مختلفة. دونالد ترامب هو ساكن البيت الأبيض. والمنطقة تغيرت مع ضمور النفوذ الإيراني في كل "الساحات" التي كانت تستخدمها طهران للتمدد نفوذاً وسيطرة. من هنا فإن مراجعة لسيناريوهات المرحلة المقبلة لا تظهر إمكاناً لخروج النظام الإيراني من الأزمة التي يعانيها.
نبض