تتصرف واشنطن بمنطق الإملاآت: تعاونٌ دفاعي مقابل اصطفافٍ في ملفاتٍ اقتصادية وسياسية. (أ ف ب)
لطالما حاولت أوروبا تأجيل الاعتراف بحقيقة بدت ساطعة منذ عقدين: "لم تعد الضفة الأخرى من الأطلسي مصدر يقينٍ استراتيجي وسياسي".عكس مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 حقيقة هذه الصحوة الأوروبية. لم يأتِ التحوّل على صورة قطيعة، بل كان إعادة ترتيبٍ للأولويات. فلقد دفعت أوروبا ثمناً باهظاً لتعلم حكمة قديمة جديدة أن "ما حك ظهرك مثل ظفرك".لم يمت الناتو، ولكنه في انتظار "ما بعد ترامب". تبدل دون رجعة مفهوم "الناتو" حول "الالتزام المتبادل"، لتنعطف أوروبا كي تصبح نداً استراتيجياً وتفاوضياً مع الحليف الأميركي، من دون أن تكون بديلاً عنه. بذلك تحصن أوروبا نفسها أمام تقلّبات السياسة الأميركية العليلة، بعيداً عن إغراءات الاتكال على "المظلة النووية الأميركية التي لا تزال حجر الزاوية في ردعٍ لا يحتمل التجريب؛ فحين يهتز التزام الورقة الراعية ليغرق في صخب سياسي عقيم تحت ضغط المزاج الانتخابي الأميركي تستيقظ أوروبا من حلم الرعاية الأميركية.تعيد أوروبا تعريف موقعها الاستراتيجي في عالم متعدد الأقطاب، لا لأنها تريد الاستقلال الاستراتيجي عن "الناتو" بل لضمان الردع، في لحظة قد يجدها خصوم الغرب فرصة لاختبار العتبات الاستراتيجية للغرب: قدرات قابلة للنشر، عمق صناعي، مرونة إمداد، واستكشاف ترتيبات تشاور نووي، تُخفّف الاعتماد على الولايات المتحدة.ليست هذه أول مرة يكتشف فيها الأوروبيون حدود الضمانٍ الاستراتيجي للناتو. في أزمة السويس عام 1956 تعلّم البريطانيون والفرنسيون درساً مُراً: الغضب الأميركي قادر على إغلاق الأفق السياسي حتى على أقرب الحلفاء.في خمسينيات القرن الماضي فشل مشروع «الجماعة الأوروبية للدفاع» قبل أن ...