من يحرّك الحملات على رئيس الجمهورية؟
لا أريد أن أخوض في عالم الفضائح، فهو يرتبط غالباً بمصالح وتضارب مصالح مافيات محلية وخارجية، لأنه معقد ومؤذٍ. لكن ما يتم نشره في الأيام الأخيرة عبر منصات مختلفة، وقد بلغ شاشات التلفزيون، لأمر محيّر في تفاصيله، ومخيب للآمال في تداعياته المحتملة، ولا يمكن التغاضي عنه، خصوصاً بعدما سرى في أوساط الرأي العام، ويتم تداوله على نطاق واسع عبر منصات وصفحات مختلقة لغايات محددة، معروفة من اصحابها او من محركيها، ومجهولة من الجمهور.
شرائط مصورة مدعّمة بأدلة (قابلة للتشكيك في زمن الذكاء الاصطناعي) عن تحريض على رئيس الجمهورية جوزف عون يقوده حاكم مصرف لبنان كريم سعيد. وأدواته ليست ذات شأن كبير إلا في عالم الفضائح. وتسرّب رسائل "واتساب" بالصورة وأحياناً بالصوت، تحرك مجموعات إعلامية، وأدوات ترويج، للدفاع عن الحاكم ومهاجمة الرئيس. كأن عون وسعيد يأتيان من عالمين متناقضين. لا يصدق المتابع أن عون دعم تعيين سعيد في الحاكمية، وسعى لأجل ذلك في ظل رفض بعض الأطراف التعيين لأسباب مالية وسياسية. وقد وقف الرئيس عون مدافعاً عنه رافضاً كل أدانة او حكم مسبق عليه.
أسباب الحملة مجهولة حتى الساعة، أو على الأقل مني شخصياً، اللهمّ إلّا إذا كان التنافس الماروني المريض تحركت غرائزه باكراً وبدأ الحاكم يعدّ العدّة للانتقال بعد سنين إلى قصر بعبدا، وهو السبب الذي دفع الحاكم السابق رياض سلامة إلى تقديم تنازلات انقلبت عليه لاحقاً وأطاحته، ولم يجد حليفاً أو صديقاً من الذين حققوا من خلاله ملايين الدولارات، وبدل القصر، دخل السجن.
اللافت في اليومين الأخيرين، أنه بعد تسريب تسجيلات عن توجيه الحاكم أدوات الحملة، انقلب السحر على الساحر، فإذ بحملة تصيب سعيد شخصياً إثر مضيّه في قانون للفجوة المالية لا يرضي المصارف التي تمارس التجارة على حساب المودعين، بعدما ارتكبت سرقة العصر، متكافلة متضامنة مع سلامة. وأيدتها في ذلك طبقة سياسية، حاولت التملص لاحقاً من كل مسؤولية فعلية في مجلس النواب وفي الحكومات المتعاقبة.
حملة من سعيد على الرئيس، وحملة مضادة على سعيد، والحبل على الجرار. المهم ألا يتم تهشيم العهد وسيده منذ اليوم، وتنجح محاولات إضعافه، لأن المتربصين به كثر، يفيدون من الفوضى وبقاء الحال على ما هي لاستمرار نفوذهم و"سلبطتهم".
والمهم أيضاً ألا "يحترق" الحاكم باكراً جداً، إذ لا قوانين لعزله إلا لأسباب قاهرة، ولا سبل للضغط عليه، ومن شأن أي خلاف متعاظم، إن حصل، أن يؤثر في الاستقرار المالي للبلد، خصوصاً أن أيّ خطوات جبارة لم تتخذ بعد منذ تولّيه الحاكمية.
الرأي العام منقسم حيال الأمر، خصوصا أن الشائعات يتم تداولها على نطاق واسع، وتوزع التهم عشوائياً من دون أدنى دليل. لكن المهم في هذا الملف هو تبيان الحقيقة، والاعتذار إذا ما وقع خطأ فادح، ومحاسبة من يثبت تورّطه. المطلوب سريعاً توضيح من جهة ما، أو نفي، او تبرؤ، او اي شيء، يزيل الالتباس الحاصل، والبلبلة السائدة.
نبض