.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كان الحريري يعمل، بجهد، من أجل تجنيب لبنان هذا المشهد المزري. وكان يملك المعرفة والنية والقدرة والوسائل. أوهام القوة وارتباطاتها بمشاريع خارجية قتلته، وتنبهت جيّداً حتى تمنع أياً كان من أن يرثه. وبذلك كتبت… نهايتها!
في رحلة البحث عن الحقيقة، عرف اللبنانيون – حتى لو شكّك بعضهم في النتيجة من موقع عقائدي وسياسي – بالجهة التي وقفت وراء اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، لكنّهم لا يزالون يفتّشون عن الدوافع الحقيقية!
قدّمت "المحكمة الخاصة بلبنان"، التي أنشأها مجلس الأمن، إجابات تتعلّق بالجهة التي نفّذت الجريمة، لكنها لم تحسم الأسباب الواضحة الكامنة وراء ذلك!
بدا تحديد الدوافع بدقة مهمة مستحيلة، فاكتفت المحكمة الأممية باستعراض المناخات التي أحاطت باغتيال رجل كان حاضراً بقوة في الداخل والخارج!
نقطة الوضوح الأبرز التي أحاطت بالحريري تتمثّل في أنّه كان النموذج الذي أراد محور الممانعة التخلّص منه، لأنّه ينطلق من مفهوم الدولة ويعود إليها، في زمن كان فيه المطلوب إسقاط الدولة لمصلحة "الشعوب".
"الشعوب" بمفهوم "محور الممانعة" لا تُحصي الخسائر، لا تهتم بالمرجعيات الدولية، لا تأبه بـ"موازين القوى"، لا تُعنى بالاقتصاد، ولا توقفها الجغرافيا!
كان رفيق الحريري، بما يملكه من قدرات متعدّدة وعلاقات مميّزة وإمكانات رائدة، عائقاً كبيراً أمام سحق "الشعوب" الممتدّة من طهران إلى "بوابة فاطمة" للدولة!
لم يكن اللاعبون الكبار في المجتمع الدولي يشكّكون في "عقيدة" رفيق الحريري ولا في صلابته في محاولة الوصول إلى الأهداف التي يرسمها، ولو تحفّظ عن ذكرها كلّها. وكان بذلك الضمانة التي ساهمت في إعادة إعمار لبنان، ومهّدت الطريق أمام صدور القرار الأممي الرقم 1559، الذي هدف إلى تحرير لبنان من الاحتلال السوري ومن هيمنة السلاح "الإيراني"!
في الفترة التي سبقت تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، لعب الحريري أدواراً مهمة في إعادة الاعتبار إلى الدولة في كل مفاصل الصراع بين إسرائيل من جهة، و"حزب الله" المدعوم من سوريا المهيمنة على لبنان، ومن إيران التي ترعاه مالياً وعسكرياً وعقائدياً من جهة أخرى. كان له حضور كبير في التفاهمات التي حيّدت المدنيين، كما في ملف تحرير الأسرى، وكذلك في الرؤى الشاملة للسلام العادل. وفي المفاصل الأكثر احتداماً كانت طائرته الخاصة تجوب العالم، متنقّلاً بفاعلية من عاصمة قرار إلى أخرى!
النموذج الذي جسّده الحريري كان يثير غضب "محور الممانعة". فهو يريد حاكماً جامداً، يبقى في قصره، يطلق مواقف خشبية، يمجّد بالفصيل المقاتل، يعظّم قائده، وينال لقب "المقاوم"!
ولم يكن من باب المصادفة أنّ "حزب الله" جهّز نفسه، بعد اغتيال الحريري، ليفتح حرباً مع إسرائيل في تموز/ يوليو 2006. حرب مكّنته، في حينه، وعلى رغم الخسائر الكبيرة، من أن يفرض معادلاته، وفق ما شاء، على الداخل اللبناني، وحوّلته إلى لاعب إقليمي كبير. حرب قلّصت، رويداً رويداً، دور الدولة، وعظّمت، رويداً رويداً، دور الحزب!
في تموز/ يوليو 2006 كان رفيق الحريري في ضريحه، و"حزب الله" في أوجه…
في شباط/ فبراير 2026، وصل لبنان إلى النتائج التي كان يخشى الحريري أن تصل إليها دولته: شروط خارجية، عجز داخلي، دمار ضخم، اهتراء كبير، فقر عارم، دور مفقود، وتفوّق إسرائيلي كاسح!
كان الحريري يعمل، بجهد، من أجل تجنيب لبنان هذا المشهد المزري. وكان يملك المعرفة والنية والقدرة والوسائل. أوهام القوة وارتباطاتها بمشاريع خارجية قتلته، وتنبهت جيّداً حتى تمنع أياً كان من أن يرثه. وبذلك كتبت… نهايتها!