الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.. انطلاق التنفيذ من لقاء مدريد
وسط سرية متحكم في منسوب ما يرشح عنها من أخبار ومعطيات، كشفت ممثلية الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة، أن العاصمة الإسبانية مدريد احتضنت الأحد الماضي محادثات جمعت الأطراف المعنيين بالنزاع المفتعل في الصحراء المغربية، وهي المغرب، الجزائر، موريتانيا وجبهة البوليساريو، وذلك بحسب البعثة الأميركية لتنفيذ القرار الأخير لمجلس الأمن 2797. المحادثات، بحسب ما ذكرت الصحافة الإسبانية، انعقدت داخل السفارة الأميركية، بمعنى أنها انعقدت فوق أرض أميركية بكل ما يعنيه ذلك من دور أميركي حاسم وجاد يقوده مستشار الرئيس دونالد ترامب، مسعد بولس، الذي أكد في تصريح قبل أسابيع لـ"النهار" تجديد دعم الولايات المتحدة للمغرب، وبصفة أساسية، اعتبار الحكم الذاتي هو الحل الوحيد للحوار بين الأطراف.
منذ أن صادق مجلس الأمن على القرار التاريخي رقم 2797 القاضي باعتبار مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الذي على أساسه سيكون التفاوض بين أطراف النزاع، وقضية الصحراء المغربية تعرف دينامية خاصة، ديبلوماسية واقتصادية، تجسد مرة أخرى أبعاد السيادة المغربية، وأبرزها تأييد جميع دول الاتحاد الأوروبي مقترح الحكم الذاتي للمرة الأولى خلال مجلس الشراكة مع المغرب، في 29 كانون الثاني/يناير الأخير في بروكسل، وتوقيع الحكومة المغربية قبل أسبوع مع تحالف ORNX الدولي الذي يضمّ شركات أميركية وإسبانية وألمانية، اتفاقية تتعلق بحجز وعاء عقاري من أجل إنجاز مشروع ضخم لإنتاج الأمونيا المنخفضة التكلفة في مدينة العيون، باستثمار يقدر بنحو 4.5 مليارات دولار. ويضم التحالف كلاً من شركة Ortus الأميركية، وAcciona الإسبانية، وNordex الألمانية. ويخطط التحالف لإنجاز ثلاثة مشاريع متكاملة لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهي اتفاقية تجسّد فعلية السيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية.
الحضور الديبلوماسي المغربي تواصل بكثافة، فقد انتُخب المغرب في 11 شباط /فبراير 2026 لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي بأغلبية مريحة (34 صوتاً من الدور الأول)، لفترة تمتد سنتين وهي ثالث مرة يُنتخب فيها المغرب لعضوية المجلس منذ عودته إلى الاتحاد الأفريقي عام 2017. وبالنظر إلى السياق الذي جرى فيه الانتخاب الأخير، وخاصة بعدما كانت الجمهورية الوهمية مرشحة واضطرت لسحب ترشيحها تفادياً لهزيمة مدوّية، عكست النتيجة الحضور الأفريقي الاستراتيجي للمغرب، كشريك موثوق في محاربة الإرهاب ودعم الاستقرار والأمن في القارة، بالإضافة إلى الشراكات الاقتصادية التي تقوم على معادلة رابح رابح متجسّدة في مبادرات عدة منها مبادرة أفريقيا الأطلسية التي أطلقها المغرب، وأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب الذي سيخدم 13 دولة أفريقية، بالإضافة إلى المبادرة الملكية لربط منطقة الساحل والصحراء بالمحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة الكبير كجواب تنموي على سنوات من عدم الاستقرار وضعف التنمية و"هيكلة" عدم الاستقرار الدائم في المنطقة، ما أدخلها في دوامة من العنف لعقود طويلة.
الحضور المغربي مرة أخرى في المجلس يمنحه القدرة على حماية أهم مؤسسة في الاتحاد الأفريقي من خدمة المصالح الأيديولوجية، وخاصة أطروحة جبهة البوليساريو الانفصالية وحصر موضوع الصحراء المغربية بمجلس الأمن الدولي تبعاً لقرار قمّة الاتحاد الأفريقي التي احتضنتها العاصمة الموريتانية نواكشوط.
أظهرت نتائج التصويت أيضاً عائد الزيارات والجولات التي قادها الملك محمد السادس على مدى سنوات في عمق القارة الأفريقية والتي توّجت بتوقيع أزيد من 1000 اتفاقية شراكة وتعاون شملت كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، والأهم في ذلك أنها شملت كل مناطق القارة من دون خلفيات سياسية أو أيديولوجية، بما في ذلك دول لم تكن على وفاق مع المغرب في قضية وحدته الترابية، لكن رهان الرباط كان مد الجسور وترك الأفعال والنتائج والزمن تفعل فعلها في تحقيق المراجعات المطلوبة وإسقاط المنظار الأيديولوجي والأحكام المسبقة وكسر الحواجز النفسية التي جرى الاستثمار فيها بمنطق العداء.
هذه الدينامية الخارجية ترتبط أيضاً بالنقاش الوطني بخصوص تحيين مقترح الحكم الذاتي الذي أمر به الملك محمد السادس، بالنظر إلى حجم التحولات التي عرفها المغرب منذ سنة 2007، وخاصة في ضوء التعديل الدستوري لسنة 2011 والقانوني التنظيمي للجهات 111.14، بالإضافة إلى الممارسة المتعلقة باللاتمركز واللامركزية في أبعادها المختلفة. لذلك تحدثت الأخبار الواردة من مدريد عن أن المغرب قدّم عرضاً من 40 صفحة، لكن بغض النظر عن عدد الصفحات، فإن المهم في هذا الخبر هو أن المغرب تعامل بجدية مع مطالب المجتمع الدولي، وأنه جاهز للمراحل المقبلة، يبقى فقط أن ينجح الأطراف الآخرون في إدراك أهمية الزمن في بناء مستقبل جديد للمنطقة بدل الرهان الخاطئ على الزمن، كما جرى الرهان عليه سابقاً لإسقاط مقترح الحكم الذاتي، من دون فهم عميق للتحولات الجيواستراتيجية التي يعرفها العالم والتي توجد منطقتنا في صلبها.
نبض