هل تُسدّد الدولة اللبنانية متوجباتها للمركزي؟ وكيف؟
منذ أن طرح حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في مطلع كانون الثاني الماضي مسألة الديون المتوجبة على الدولة لحسابه، والتي قدرها بثلاثة أضعاف ما سبق أن طالب به وزارة المال، تطرح علامات استفهام عدة حول دقة هذه المطالبات ومدى استعداد الدولة للاعتراف بها، وصولاً إلى قدرة الدولة على ردها، واستطراداً ما إذا كان الاعتراف بهذه المطالبات وردها سيستعمل لرد الودائع كما أعلن الحاكم نفسه.
في مؤتمره الصحافي الذي عقده في الثامن من كانون الثاني الماضي، كشف سعيد عن إعداد تقرير شامل ومدعم بكامل المستندات، بهدف التحديد والحصر والتقدير لجميع الأموال "التي وُضِعت بتصرّف الحكومة في العقود السابقة حتى نهاية عام 2023، أو التي تم دفعها نيابةً عنها أو بناءً على تعليماتها، أياً كان شكلها، سواء كانت قروضاً أو سلفاً أو تحويلات أو تسهيلات من أي نوع".
وكشف أن إعداد هذا التقرير يتم بالاشتراك بين مديرية التدقيق ومديرية الشؤون القانونية في مصرف لبنان، بغية تحديد المبالغ بدقة، وتحديد الظروف التي أدّت إلى تحويل هذه الأموال، وتحديد الأسس القانونية والقنوات الإجرائية المناسبة للمطالبة باستيفاء المستحقات كاملة. وكان لافتًا في كلام الحاكم قوله إن نطاق التقرير لا يقتصر على مبلغ الـ16.5 مليار دولار أميركي الذي أقرت به الدولة رسمياً عبر وزارة المال، على أنه قد تم تحويله إليها من مصرف لبنان، بل يشمل على سبيل المثال لا الحصر:
أ- المبالغ التي صرفها مصرف لبنان لتمويل برامج دعم فرضتها الحكومة.
ب- المدفوعات التي أُنجزت نيابةً عن وزارة الطاقة والمياه ومؤسسة كهرباء لبنان.
ج- جميع المبالغ الإضافية التي دفعها أو سلفها مصرف لبنان إلى الدولة حتى نهاية 2023.
وتبلغ هذه الأموال بحسب التقارير الأوّلية للمركزي قيمة تتجاوز ثلاثة أضعاف ما طالب به الدولة من خلال وزارة المال. وقد طلب مصرف لبنان استشارات قانونية من خبراء مختصين في دوائر المصرف وخارجها، للمحافظة على حقوقه وتأكيدها. وتستند هذه المطالبات إلى مستندات كاملة ومثبتة. وعند الاقتضاء، لن يتردد مصرف لبنان في القيام بواجبه الرسمي وتأكيد حقوقه أمام المراجع الإدارية والقضائية المختصة، بهدف استيفاء كامل حقوقه وضمان تخصيص جميع المبالغ المستردة حصراً في سبيل سداد أموال المودعين.
وهذا يعني عملياً أن المركزي عازم على المضي في المسار القانوني والقضائي إذا اقتضى الأمر لاسترداد أمواله، بعدما حمله مشروع قانون الفجوة المالية الذي أقرته الحكومة وزر رد الودائع التي تتجاوز الـ100 ألف دولار من خلال سندات مضمونة بإيرادات أصوله من المحفظة العقارية والذهب.
وبحسب التقديرات التي استند إليها المركزي في إعلانه أن المطالبات تفوق ثلاثة أضعاف ما اعترفت به الدولة، فهو يتحدث عملياً عما مجموعه 50 مليار دولار موزعة إلى جانب الـ 16،5 مليارا، على الدعم بقيمة 9 مليارات دولار وعلى الكهرباء 24 مليارا.
لكن مطالبات الحاكم لم تلق آذاناً صاغية لدى الحكومة التي رفضت الرد على الحاكم واعتصمت بالصمت، مع تردد كلام في الأوساط ينفي هذه المطالبات وصولاً إلى عدم الاعتراف بمبلغ الـ16،5 مليار دولار الذي وقعت عليه وزارة المال مع المركزي في إطار مذكرة تفاهم.
لا يسعى الحاكم إلى تبرئة ذمته من الميزانية السلبية للمصرف، لكنه يتمسك بمنع الدولة من تبرئة ذمتها حيال استدانتها من المركزي مدى عقود من دون مساءلة. ويستند الحاكم إلى التقرير الذي ينتظره في هذا الشأن والذي من شأنه أن يفند المطالبات التي تحدث عنها.
نبض