نجاح المفاوضات رهن تنازلات إيران

كتاب النهار 09-02-2026 | 05:00

نجاح المفاوضات رهن تنازلات إيران

 هذه الشروط المتبادلة كانت أوصلت المفاوضات السابقة في جولتها الخامسة، مطلع حزيران (يونيو) 2025، إلى طريق مسدود، ولم تكن تهديدات ترامب وقتها مرفقة بالحشد العسكري كما هي حالياً، ولا كان التأهب الصاروخي الإيراني على ما هو الآن.
نجاح المفاوضات رهن تنازلات إيران
عراقجي/ ويتكوف
Smaller Bigger

عندما توعّد المرشد الإيراني علي خامنئي بـ"حرب إقليمية" ردّاً على أي هجوم تتعرّض له إيران، فإنه عاود التلويح بخطط سبق لطهران أن درستها بعمق، واختبرت فاعليتها منذ استخدمت ميليشياتها لتوسيع نفوذها والسيطرة على "أربع عواصم" في الشرق الأوسط، بالإضافة الى غزّة. لكن هذه الخريطة تغيّرت، إذ شنّت إسرائيل حرب إبادة في غزّة، وتواصل الضغط لترث السيطرة بشكلٍ أو بآخر على التركة الإيرانية. لم يشرْ المرشد إلى استهدافات محدّدة، لكنه عنى بالضرورة ضرب المصالح الأميركية في المنطقة، أي قصف القواعد العسكرية، ولا سيما منها أكبرها، أي إسرائيل. ولما كانت القواعد الاميركية منتشرة قرب إيران فإن التعرّض لها سيكون تحدّياً واستفزازاً لدول الجوار واعتداءً على سيادتها، غير أن طهران لن تقف عند هذه الاعتبارات، إذ يقول قادة سياسيون وعسكريون فيها إنها تخوض "حرباً وجودية". وكانت إسرائيل رفعت هذا الشعار لتبرير وحشيتها في غزّة. 


حرصت دول الخليج على إبلاغ طهران وواشنطن وقوفها على الحياد في أي مواجهة محتملة بينهما، وما لبثت أن تدخّلت لدى دونالد ترامب، مع مصر وتركيا وباكستان، كي يفرمل اندفاعه إلى العمل العسكري، ويعاود فتح القناة الديبلوماسية مع إيران. فُهم من اتصالات الرئيس مسعود بزشكيان مع قادة هذه الدول أنه طلب توسّطها، مؤكّداً الاستعداد للتفاوض بعدما كانت إيران طلبت غداة حرب الـ 12 يوماً تعهّدات أميركية علنية وواضحة بأن يكون التفاوض جديّاً وليس غطاءً لخديعة حربية جديدة. وإذ تمكّنت أنقرة، بدعم خليجي، من فتح نافذة ديبلوماسية تمثّلت بموافقة الطرفين على العودة إلى التفاوض، طُرحت فكرة عقد اجتماع أو مؤتمر تمهيدي كان يمكن أن تشارك فيه الدول الثماني العربية والإسلامية التي باتت مرجعية معتمدة بالنسبة إلى تنفيذ "اتفاق غزّة"، على أن تبدأ بعده المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني وتكون تركيا أو عُمان وسيطة. 


لم تحبّذ طهران وجود هذا "العرّاب الإقليمي" وفضّلت العودة إلى الآلية السابق، أي الاعتماد على الوسيط العُماني، ولم تمانع واشنطن، فكانت جولة أولى في مسقط وصفها الطرفان بأنها "إيجابية". ماذا تعني هذه الإيجابية؟ فهل أنهما تبادلا تصميماً على التوصّل الى اتفاق مهما كانت الصعوبات، وهل قدّمت واشنطن تعهّدات بعدم استهداف النظام، وهل أكّدت طهران مبدئياً أنها لن تهاجم إسرائيل، أم أنها عرضت تنازلات معينة إذا عرضت واشنطن في المقابل برنامجاً مغرياً لتخفيف العقوبات تدريجاً؟... لم يكن متوقّعاً أن تتضح أوراق الطرفين في هذه المرحلة، خصوصاً أن الطرفين أكدا علناً تمسّكهما بشروطهما المسبقة، فمن جهة تولى وزير الخارجية الأميركي عشية جولة مسقط تجديد الشروط الترامبية في شأن وقف تخصيب اليورانيوم ونقل الـ 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة، بالإضافة الى خفض قدرات البرنامج الصاروخي، وانهاء دعم الميليشيات الموالية لإيران، ووقف القمع للاحتجاجات الشعبية. في المقابل كانت مصادر النظام تصرّ على استمرار التخصيب كحقٍّ مشروع لإيران وتستبعد أي تفاوض على الصواريخ البالستية أو على دعم الأذرع الحليفة. 


الواقع أن هذه الشروط المتبادلة كانت أوصلت المفاوضات السابقة في جولتها الخامسة، مطلع حزيران (يونيو) 2025، إلى طريق مسدود، ولم تكن تهديدات ترامب وقتها مرفقة بالحشد العسكري كما هي حالياً، ولا كان التأهب الصاروخي الإيراني على ما هو الآن. لذلك فإن مجرد العودة إلى الطاولة لا يعني أن الطرفين تغيّرا أو اتفقا مبدئياً على تغيير نهجيهما، بدليل أن طهران أصرّت على التفاوض غير المباشر. كما أن العودة إلى الطاولة لم تكفِ لتهدئة القلق الإقليمي ولم تبدّد احتمالات نشوب الحرب التي نصحت الدول المجاورة بتجنبّها، وتعرف هذه الدول جيداً طبيعة مواقف الطرفين وصعوبة التراجع عنها. والسائد الآن أن لدى المفاوضين مهلة شهرين للتوصّل إلى اتفاق، وهذه المدة "الطويلة" نسبياً في عُرف الرئيس الأميركي لا بد من أن تنتج اتفاقاً شاملاً يلبي شروط واشنطن، إلا أنها "قصيرة" جداً بالنسبة إلى إيران والمناورات التفاوضية التي اعتادت عليها. 


الدول الإقليمية قالت بوضوح إنها لا تريد حرباً أخرى بل تتطلع أيضاً إلى اتفاق شامل، ومع أنها لا تثق بنظام طهران إلا أنها أوضحت ما هي مخاطر انهياره على الداخل الإيراني وعلى المنطقة. ويُفترض أن تكون واشنطن معنية بإبعاد هذه المخاطر بعدما راكم ترامب مصالح كثيرة ستكون مهددة في حال زعزعة الاستقرار الإقليمي. سيكون تحريك القطع البحرية الأميركية الضخمة وتحرّكات "الحرس الثوري" على الأرض موضع مراقبة دقيقة لاستنتاج مؤشّرات تقدّم المفاوضات أو جمودها. المنطقة إزاء سانحة تاريخية يصعب تكرارها، وإذ تعتقد طهران أن هناك تكافؤاً في مفاوضات تُجرى تحت تهديد عسكري متبادل، فإن الأسئلة المطروحة تتعلق طبعاً باستعداد واشنطن لقبول حلول وسط تلبي الشروط التي حدّدتها، وباستعداد إيران لقبول تنازلات المطلوبة لقاء الحفاظ على نظامها. 


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

سياسة 2/8/2026 12:11:00 PM
ما هي المستشفيات الثمانية التي أُدرِجت على "قائمة الإرهاب"؟
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime. 
دوليات 2/7/2026 6:05:00 PM
فرانك هوغربيتس يحذر من نشاط زلزالي محتمل منتصف الشهر… والعلماء يشككون