فضيحة أبستين عندما تكشف الضحايا
ليست فضيحة لجيفري أبستين، الرجل مات وشبع موتاً، وهي أكثر من كونها فضيحة لرجال قادتهم شهواتهم إلى هذا الدرك. وهم ليسوا جميعاً من صنف واحد، فبينهم مهووسون جنسيون وبيدوفيليون وطالبو سلطة وملذات أخرى غير مشروعة في معظمها. لكن الجامع المشترك بينهم أنهم أصحاب ثروات أو مواقع سياسية وعلمية مرموقة أو شخصيات اعتبارية. إنها فضيحة لمنظومة سياسية وأخلاقية عالمية حكمت العالم باسم الليبرالية والرأسمالية والحرية الفردية باعتبارها مقدساً ومحركاً للاقتصاد والتفكير والاختراع.
الفضيحة أميركية أولاً وعالمية ثانياً، وهي تهز سياقات طويلة من الأفكار والقيم، الدينية والأخلاقية والفلسفية، وتضع الفكر الإنساني أمام تحديات جديدة تتخطى الأفكار السائدة، خصوصاً تلك التي انتجتها الثورة الصناعية ثم الثورة الفرنسية والفلسفة الحديثة.
ليست فضائح الهوس الجنسي والبيدوفيلية جديدة، التاريخ مليء بالأخبار والروايات عن رجال ونساء فاحشي الشهوات، وقد تناول الظاهرة روائيون ومفكرون ومدونو نوادر وطرائف، كما فلاسفة ومحللون نفسيون، من فرويد إلى كولن ويلسون وغيرهما، في كثير من المؤلفات المتاحة للجميع. كتب التاريخ مليئة بأخبار هؤلاء وفضائحهم، كما ليست بعيدة قصص فضائح الرؤساء والعائلات المالكة في أوروبا وغيرها.
فضيحة أبستين ليست فضيحة شخصية، هي ليست فضيحة بيل كلينتون ومونيكا لوانسكي، ولا فضيحة خيانة فرانسوا هولاند، ولا فضائح شبق ملك أسبانيا السابق خوان كارلوس ولا خيانات رجال الأسرة الملكية ونسائها في بريطانيا والكثير الكثير من القصص في أنحاء العالم... ليست فضيحة فردية. عالم من الفضائح أشبه بقنبلة نووية. من كان ليتصور أن رجلاً واحداً قادر على أن يدمر منظومة من القيم والأخلاق التي طورها المجتمع فارضاَ قوانين فاصلة جداً بين المرغوب فيه والمسموح به والممنوع والمعاقب عليه. هذا حدث له تبعاته، السياسية بالتأكيد، لكن الأخلاقية والفكرية والفنية. لن تهمله السينما، وهي أساساً تناولته مباشرة أو غير مباشرة في الكثير من أفلام الفضائح التي سردت قصصاً مشابهة عن رجال قادهم طموحهم وطمعهم وعلمهم إلى بناء عوالم تدميرية للمدينة والمدنية والحضارة البشرية والقيم الاجتماعية والدينية. سيتحدث العالم كثيراً عن إبستين، لكن أكثر عن ترامب وكلينتون وجورج بوش الأب وإيهود باراك وستيف هوكينغ ونعوم تشومسكي (إذا صح أنهما كانا من زوار أبستين في جزيرته الملعونة) وبيل غيتس والأمير أندرو... وعن مئات النساء والأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية والإجرامية التي وصلت إلى حد القتل والتهام الجثث في أقسى مشاهد الشذوذ الإنساني.
ليست فضيحة أبستين مثل تجارة الرقيق الأبيض ودعارة الأولاد في تايلاند مثلاً أو في الاعتداءات الجنسية في دول النزاعات العسكرية والفقر الأفريقية أو في الأفلام الإباحية المنتشرة مجاناً على شبكة الإنترنت. هي فضيحة "رفيعة المستوى" في قلب العالم الليبرالي ورأسه. في المركز الذي يقود حروباً اقتصادية وعسكرية في مشرق الأرض ومغربها تحت راية حقوق الإنسان والدفاع عن المظلومين. إنها ضربة على نافوخ المنظومة كلها ستحتاج وقتاً طويلاً لتتخلص من تداعياتها. تجاهل الفضيحة سيكون أسوأ منها، وهو عملياً غير ممكن لأنها ستتدحرج ككرة ثلج هائلة. صراع الفيل والحمار في الولايات المتحدة سيتجاوز هذه المرة كل الخطوط الحمر وملفات الفضائح متوافرة لدى الفريقين.
صحيح أن الفضيحة كانت معروفة ويعلم العالم كله بوجودها، لا سيما الإدارات الأميركية المتعاقبة واستخباراتها ووزارات عدلها لكن الخطير في كشف تفاصيلها أنه هذه المرة عرّى، إضافة إلى المتورطين، الضحايا من النساء والأطفال، وأساء إليهم مرة جديدة عبر نبش معاناتهم وعذاباتهم وعذابات أسرهم قبل أن تعترف وزارة العدل بالخطأ وتسحب الصور، لكن ما حصل قد حصل وانتشرت الصور في كل مكان.
أيا كان مفجر الفضيحة ومن يقف وراءها، وأياً كانت الإضافات التي زادتها مواقع التواصل الاجتماعي عليها عبر محاولات توريط شخصيات لا علاقة لها بجزيرة أبستين ولا بممارساته، وعبر تركيب صور بالذكاء الاصطناعي، سيبقى الحدث طويلاً في الذاكرة باعتباره من الأحداث الكبرى التي ستحدث منعطفاً في التاريخ الأخلاقي للإنسانية وعلاقة التكنولوجيا الفائقة التطور بالمنظومات التربوية والأخلاقية. وهو ما بدأت دول كثيرة العمل عليه.
نبض