بداية "حديث" أميركي-إيراني وسط الحشود: الديبلوماسية تفتح ثغرة في جدار التصعيد
للمرة الأولى، منذ بدء الحشد العسكري الأميركي قرب إيران قبل نحو 3 أسابيع، لاحت مؤشرات إلى إمكان خفض التصعيد بين واشنطن وطهران وتفادي اندلاع حرب أخرى في الشرق الأوسط. ومن هذه المؤشرات قول الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشبكة "فوكس نيوز" الأميركية للتلفزيون السبت: "إن طهران تتحدث إلينا وسنرى إذا كان في إمكاننا فعل شيء".
وبالتزامن تقريباً، صرّح أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بأنه "خلافاً للأجواء المصطنعة التي تخلقها وسائل الإعلام، فإن بلورة إطار للمفاوضات (هي) في تقدم".
وتكثفت في الأيام الأخيرة الاتصالات الديبلوماسية الرامية إلى نزع فتيل التوتر والدفع نحو استئناف الحوار بين أميركا وإيران. من زيارة رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني لطهران السبت، وزيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لأنقرة، والاتصال الهاتفي بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والإيراني مسعود بزشكيان، والمباحثات التي أجراها وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان في واشنطن، وما سبق ذلك من زيارة للاريجاني لموسكو، واقتراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رعاية اتصال هاتفي بين ترامب وبزشكيان، لكسر حلقة التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات.
الفرصة الجديدة المتاحة للديبلوماسية، يصاحبها استمرار التهديدات العسكرية المتبادلة بين أميركا وإيران. ترامب يكرر إشارته إلى "أسطول (أميركي) كبير، يتجه إلى هناك"، ومرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي يحذّر من أن "أي هجوم أميركي سيشعل حرباً إقليمية". وبدأ الحرس الثوري الإيراني مناورات بالذخيرة الحية في مضيق هرمز، وردّت القيادة المركزية الأميركية بالتحذير من "أي سلوك غير آمن أو غير مهني بالقرب من القوات الأميركية".

وفي خلفية المواقف المعلنة والتهديدات، يقترب الجانبان من مقايضة. ترامب طوى صفحة الكلام عن تغيير النظام في إيران وخفّ حديثه عن دعم المتظاهرين. وطهران أسقطت من جانبها الشروط التي كانت تضعها من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات. والخلافات تتركز الآن على جدول الأعمال، إذ يتمسك ترامب بالتوصل إلى اتفاق يشمل وقف طهران تخصيب اليورانيوم وقفاً تاماً، والموافقة على الحد من قدراتها الصاروخية ووقف الدعم لـ"أذرعها" في الإقليم. وعلى ذلك، ترد إيران بأنها مستعدة للبحث في برنامجها النووي فقط، وتعتبر قدراتها التسلحية خطاً أحمر.
وتلعب هنا الإمكانات التفاوضية لكلا الجانبين دوراً رئيسياً في تفكيك جدول الأعمال، إذا تغلّبت الرغبة في تجنب الحرب على الرغبة في فرض شروط تعجيزية. كما تلعب الحسابات المتعلقة بما يمكن أن ينجم عن الحرب، وبما يمكن أن يُجنى من مكاسب في حال التوصل إلى اتفاق.
في هذا السياق، ماذا إذا توصل ترامب إلى استنتاج باستحالة توجيه ضربة خاطفة تقلب الموازين في إيران على "الطريقة الفنزويلية"، بما يجنّبه الانجرار إلى حرب طويلة الأمد؟ عندها يُرجَّح الخيار الديبلوماسي.
وبالنسبة إلى إيران التي تواجه تحدياً هو الأخطر للنظام منذ 1979، بفعل الاحتجاجات الأخيرة وآثار حرب حزيران/يونيو والأزمة الاقتصادية المستفحلة بفعل نظام العقوبات الأميركي، مضافاً إليها العقوبات الأوروبية الأسبوع الماضي وتصنيف الحرس الثوري على لوائح الإرهاب، وكذا السعي الأميركي للحؤول دون عودة حليفها نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء في العراق، والعمل الحثيث لدى الهند لشراء النفط الفنزويلي بديلاً من النفط الإيراني، فإن هذا الواقع يجعل النظام في إيران يتحلّى بواقعية تدفعه إلى الخيار الديبلوماسي مع الولايات المتحدة، أكثر من تفضيله خوض حرب جديدة سيترتب عليها مزيد من الإنهاك.
وعليه، ربما تكون هذه الحسابات في البيت الأبيض وفي طهران هي التي ترجّح ميل الجانبين إلى التجاوب مع المساعي الديبلوماسية المبذولة، وتجنيب الشرق الأوسط زلزالاً آخر.
نبض