عودة المالكي ممكنة... لكن بشروط ترامب
جاءت تدوينة دونالد ترامب ضد ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة بمثابة طلقة أولى في حرب لما تندلع بعد ضد إيران. قبل ترامب، كان الوزير ماركو روبيو والمبعوثان توم برّاك ومارك سافايا قد أدلوا، كلٌّ بدوره، بالرسائل والتوصيات المحذّرة من تشكيل حكومة "خاضعة للنفوذ الإيراني" أو من "حكومة تنصّبها إيران"، لأنها "لن تكون ناجحة" و"لا يمكنها أن تضع مصالح العراق الخاصة في المقام الأول" و"لا أن تبقيه خارج الصراعات الإقليمية" و"لا تعزّز الشراكة بين الولايات المتحدة والعراق"... لكن القوى الشيعية في "الإطار التنسيقي" تجاوزت التباين في آراء قادتها لتعتمد ترشيح المالكي. ولأن المرشد علي خامنئي "باركه" مسبقاً، فإن ترامب اعتبره "خياراً سيئاً للغاية" بسبب "سياساته وأيديولوجياته المختلّة".
الأكيد أن كبسولة ترامب الصاعقة ضد المالكي شكّلت تدخلاً سيئاً في شأن داخلي عراقي، وأثارت تساؤلات كثيرة كمنت الإجابة عنها في حدّة التوتر الحالي بين أميركا وإيران، لكنها تضمنت أيضاً تقويماً لولايتَيْ المالكي السابقتين (2006 - 2014) اختصره الرئيس الأميركي بـ"الفقر والفوضى"، وهو تقويمٌ يسهل أن يشاركه كثيرون داخل العراق وخارجه. فالفقر إشارة إلى سوء الأوضاع الاقتصادية في بلد يملك الموارد والإمكانات، والفوضى تذكير بظهور تنظيم "داعش" منتصف عام 2014 واحتلاله أجزاء واسعة من العراق وسوريا. وإذ ركّز الخارج اهتمامه وقتذاك على ترتيب "التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب" وانشغل جزئياً بالبحث في مسؤولية المالكي عن "الكارثة الداعشية"، إلا أن طلب واشنطن وموافقة طهران حالا دون استمراره رئيساً للحكومة في ولاية ثالثة.
أما الداخل العراقي فوجّه إليه سيلَ اتهاماتٍ لم تقتصر على الحدث الإرهابي، بل شملت ملفات الفساد في عهده (أشهرها الـ50 ألف مجنّد "فضائي"، أي وهمي) وتكاثر الميليشيات التي ما لبثت أن تقنّعت بشعار "الحشد الشعبي"، بالإضافة إلى تعصّبه المذهبي واستفزازه للمكوّنات الأخرى في المجتمع وإساءته للعلاقات مع الجوار العربي. لكنه لم يتعرّض لأي محاسبة حقيقية، لأن رجالاته أو بالأحرى رجالات إيران في القضاء وأجهزة الدولة استطاعوا حمايته وتحصينه.
واقعياً، إذا كان موقف ترامب مستغرباً ومرفوضاً من حيث المبدأ وسويّة العلاقات بين الدول، فإن إصرار المالكي شخصياً على استعادة السلطة كان مستهجناً من حيث الحصافة والاتعاظ بالعبر، فالاثنا عشر عاماً التي أمضاها خارج الحكم لم تكفِ لنسيان العراقيين تركاته، لا في مسائل الأمن ولا في ممارسة السلطة وسط تعددية بالغة الحساسية. غير أن كل شيء ممكن في العراق، كما يقال أيضاً في لبنان حيث تتحالف المافيا مع الميليشيا ويلتزم جميع أعضاء "منظومة الفساد" بتغطية عورات بعضهم بعضاً. ولا شك في أن أكثر ما يُنسب إلى المالكي أن انتماءه وتزعّمه "حزب الدعوة" فتحا كل الطرق السريعة أمام التدخّلات الإيرانية التي تعمّقت وتوسّعت وازدادت تمأسساً.
لعل هذا هو المأخذ الأميركي الرئيسي على المالكي، مع وجود تيارٍ عراقيٍ كبيرٍ وعابرٍ للطوائف والأعراق يرفض الآن هذا الارتباط بإيران وينفر من ميليشياتها، بل إن هذا ما دفع أيضاً القوى السياسية السنّية إلى اتخاذ موقف سلبي من عودة المالكي. أما القبول الكردي به فيُعزى إلى أنه اعتاد على إرضاء أربيل (الحزب الديموقراطي الكردستاني/ بارزاني) بمنطق التسويات والصفقات، فيما ارتباط السليمانية (حزب الاتحاد الوطني الكردستاني/طالباني) بإيران سهّل عليه التفاهم معها. لكن هل يستمر تأييد أربيل له إذا احتدم الخلاف الأميركي - الايراني في شأنه؟
تعامل المالكي مع "الفيتو" الترامبي ببراغماتية عالية، فبعدما رفض رفضاً قاطعاً التدخّل الأميركي في أمر داخلي و"سيادي"، التقى القائم بالأعمال الأميركي في بغداد آملاً في فتح حوار مع واشنطن. لا بدّ أن المالكي بات يعرف الكثير عن ترامب الذي سبق أن هدّد إيران وقصف منشآتها النووية الكبرى وقد يعاود قصفها، وأنه فهم جيداً الإنذار بـ"عدم الاستمرار في مساعدة العراق" بعد مسلسل الرسائل الأميركية إلى بغداد. لكن واشنطن، من جهتها، تعرف أنه يمكن أن يكون حاكماً قوياً في بلد صعب، وإذا عرض التفاهم معها فقد لا تمانع، لكن بشروطها.
هل يستطيع التعاقد والتعهّد بتلبية تلك الشروط، أم أنه يراهن على مغادرة آخر جنود أميركيين العراق قريباً للتحرّر من الضغوط؟ لكن ترامب لا يهدد العراق بقوة السلاح بل بسلاح العقوبات، فالعائدات النفطية (90% من الاقتصاد العراقي) تودع في الاحتياطي الفيدرالي. وفي رأس قائمة الشروط الأميركية عدم تمرير مليارات الدولارات إلى إيران أو إلى أذرعها الإقليمية، وإبعاد المستشارين الإيرانيين عن المؤسسات العراقية، بالإضافة إلى: تفكيك الفصائل الموالية لإيران ونزع سلاحها خلال مهلة زمنية محدّدة، التصدّي للفساد وغسيل الأموال، وإنشاء قضاء مستقل...
عودة المالكي ممكنة إذا استوعب التغيير الذي طرأ على مهمة الحكم وبيئته، وليس فقط بتأثير من ترامب.
نبض