وعود حكومية بزيادة الرواتب... ولكن من أين؟
...وفي اليوم الثالث، تمخّضت الخطابات المتلفزة تصويتاً هزيلاً على وقع غضب شارع مستفز، إلى درجة الخروج عن الانضباط المتوقع من عسكريين متقاعدين، في معركة تحصيل حقوق من دولة شبه مفلسة، على ما يدعي القيمون عليها.
مع أن المشكلة المطروحة مزمنة ومتوارثة من حكومات سابقة، لم تفلح الجرأة هذه المرة في احتواء الأزمة، وخصوصاً أن قانون الموازنة لم يلحظ أيّ إجراءات تصحيحية وإصلاحية للقطاع العام تعيد تنظيمه ضمن الإصلاحات المطلوبة حتى من صندوق النقد الدولي، وتأتي في سلم أولوياته.
وما أثار القلق أمس من تحرك العسكريين المتقاعدين الذي توزع بين بيروت وعدد من المناطق، أنه أنعش الذاكرة حيال المناخ الذي ساد عشية انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، خصوصاّ أنه ترافق مع مساندة غير علنية للقوى الأمنية المولجة حماية البرلمان، مما دفع برئيس الحكومة ووزير المال إلى تقديم التزامات ليس مؤكدا مدى قدرة الخزينة على الإيفاء بها.

فبحسب التفاهم الذي تم التوصل إليه ليلاً، سيكون المتقاعدون على موعد جديد مع الحكومة في شباط المقبل، بعدما قضى التعهد بمنحهم 6 رواتب إضافية مقسطة، 4 منها في شباط و2 في آذار، وسط أسئلة لا بد من أخذها في الاعتبار والتعامل معها في الوقت الفاصل عن حلول الدفعة الأولى، أولها من أين يتم تأمين المال؟ وإذا كان متوافراً فلمَ لم يدرج في الموازنة كما كانت الحكومة قد وعدت به؟ والأهم، هل يترافق الدفع مع خطوات وإجراءات إصلاحية على مستوى القطاع العام، ولا سيما قطاع التعليم الرسمي؟
لا بد في هذا السياق من التمييز بين من لا يزالون في الخدمة ومن تقاعدوا، مثل العسكريين المتقاعدين الذين تآكلت تعويضاتهم، وأساتذة التعليم الرسمي، بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، وما بين مستحقي التصحيح والمستفيدين منه على حساب عدم الإنتاجية.
وكان مجلس الخدمة المدنية قد أعدّ مشروعاً تصحيحياً للرواتب والأجور في القطاع العام، وأساتذة التعليم الرسمي، وعقدت اجتماعات عدة مع اللجنة الوزارية المكلفة هذا الملف في سياق المتابعة، على أن يعرض المشروع بصيغته النهائية على مجلس الوزراء خلال مهلة 6 أسابيع حدا أقصى لإقراره.
والمفارقة أن لا تقديرات رسمية لكلفة الزيادة على الخزينة. وتكشف معلومات أن مديرية الصرفيات في وزارة المال لم تكن قد أعدت تقديراتها، وبدأت بها الآن بعد قرار الحكومة. وتقول مصادر إن قرار دفع الزيادات اتخذ على وقع الشارع وليس وفقاً لدراسة أثره على المالية العامة. ولعلّ هذا ما دفع وزير المال إلى الرد بنبرة عالية خلال كلمته أمام النواب في إطار رد الحكومة على المداخلات النيابية عندما وصف الأمر بـ"الاعتباطي"، مشيراً إلى أنه لا يمكن الحكومة اتخاذ قرارات على هذا النحو، وكاشفاً أن "لا أحد يعرف كم تكلف!" وسأل: "نحن عايشنا إقرار سلسلة الرتب والرواتب السابقة، فإلى أين تريدون أخذ البلد؟" وأوضح أن أيّ قرار اعتباطي هو بمثابة ساعة تخلّ ولا يمكن السير به، داعياً إلى إعطاء الوزارة مزيدا من الوقت. واستمهل المتقاعدين حتى شباط لإعداد الجداول وتقييم الكلفة والبحث عن مصادر تمويلها، ولاسيما أن بعثة صندوق النقد تصل في التاسع من شباط ولا بد أن يكون لدى الحكومة رد على هذا الأمر.
ورفض جابر التزام أيّ تعهد قبل درس الأثر المالي وكلفته.
نبض