الحرب على إيران بدأت فعلياً… أمّا الهجوم فينتظر "توقيت" ترامب

كتاب النهار 31-01-2026 | 06:06
الحرب على إيران بدأت فعلياً… أمّا الهجوم فينتظر "توقيت" ترامب
سؤال "متى وكيف" أقل أهمية من سؤال "إلى أين"؟ فالمؤكد أن الوقائع تتراكم، وأن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية مفتوحة، تُدار تحوّلاتها ببطء محسوب… لكن باتجاه لا لبس فيه!
الحرب على إيران بدأت فعلياً… أمّا الهجوم فينتظر "توقيت" ترامب
سرب مقاتلات يواكب حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" باتجاه إيران (الجيش الأميركي)
Smaller Bigger

ينشغل النقاش الإعلامي والسياسي في المنطقة، منذ أسابيع، بسؤال واحد: هل ستنفّذ الولايات المتحدة عملاً عسكرياً في الشرق الأوسط أم لا؟ وإذا حصل، فكيف ومتى؟

هذا النقاش، رغم كثافته، مفهوم… لكنه ليس الأهم. فالانشغال المتواصل بسؤال "الضربة" يفترض أن المواجهة لم تبدأ بعد، وأن كل ما يجري يدور في خانة الاحتمالات. والحال أن الوقائع المتراكمة تشير إلى العكس تماماً: المسار انطلق فعلياً، وباتت عناصره السياسية والاقتصادية والاستخبارية تتحرّك بوتيرة متصاعدة، فيما لم يعد الهجوم العسكري، إن حصل، سوى أداة ضمن معادلة أوسع تُدار بإيقاع محسوب. هنا، يصبح السؤال عن التوقيت أقل ارتباطاً بطبيعة المواجهة نفسها، وأكثر التصاقاً بحسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا بقرار بدء الحرب من عدمه.

بعد هذا التوضيح، لا يعود النقاش منصباً على "هل" ستقع المواجهة، بل على كيف تُدار فعلياً؟ ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال من دائرة الأسئلة إلى قراءة ما هو قائم على الأرض، لا ما يُتداول في التحليلات. فالأسابيع الأخيرة كشفت بوضوح أن واشنطن شرعت في بناء مسار منظّم ومتدرّج، سياسياً وقانونياً وديبلوماسياً، يعيد رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.

أوّل ما يمكن رصده بوضوح هو أن الولايات المتحدة بنت، خلال الأسبوعين الماضيين، تحركاً منظّماً ومتدرّجاً، سياسياً وقانونياً وديبلوماسياً، يهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. فالكشف المتتابع عن أخبار وفيديوهات تتعلّق بحجم القمع في شوارع إيران خلال الانتفاضة الشعبية الأخيرة، مدعومة بتقارير منظمات دولية، بينها الأمم المتحدة، لا يمكن فصله عن مسعى أميركي لتأمين غطاء شرعي وأخلاقي لأي خطوة مقبلة.

حتى المفاوضات "المزعومة" مع إيران، بما تضمّنته من مطالب أميركية حازمة تتعلق بالبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، ودور طهران الإقليمي، تدخل في هذا الإطار. الرسالة كانت واضحة: هذا هو العرض. والرفض الإيراني، بحدّ ذاته، تحوّل إلى جزء من بناء الملف، لا إلى نهاية المسار.

بالتوازي، يتصاعد الضغط المباشر على الحرس الثوري الإيراني. تصنيفه كمنظمة إرهابية، بعد طول تردد، بقرار من سبع وعشرين دولة يتشكل منها "الاتحاد الأوروبي"، ليس تفصيلاً إجرائياً. فهذه الدول كانت، في حسابات عدد من قادة الحرس الثوري، ملاذاً محتملاً في حال انهيار النظام، سواء لهم أو لعائلاتهم أو لأموالهم. اليوم، يُغلق هذا الباب قانونياً، ولا يبقى مفتوحاً سوى خيار واحد غير المواجهة حتى الرمق الأخير: الانشقاق وطلب اللجوء السياسي.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز إيران ليطاول توازنات الشرق الأوسط بأكمله: أيهما سيتقدّم داخل النخب الصلبة للأنظمة؟ البقاء السياسي أم البقاء الشخصي؟

الصورة العامة لا تترك مجالاً كبيراً للشك. ترتيب القوات الأميركية في المنطقة، وحشد القدرات العسكرية، والتصريحات الغربية المتزايدة حدّة ضد النظام الإيراني، بما فيها المواقف الأوروبية الأخيرة، تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة ضغط استراتيجي مركّب، لا مجرّد أزمة ظرفية.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن البيئة الإقليمية الأوسع، من دول "العمق الإيراني" في القوقاز وآسيا الوسطى، إلى خطوط التماس في العراق وسوريا ولبنان والخليج، حيث تتداخل الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية والعربية، ضمن معادلة واحدة تتغيّر قواعدها.

غير أن العامل الحاسم، في نهاية المطاف، يبقى الداخل، وتحديداً الداخل الإيراني. فالتغيير الحقيقي، إن حصل، لا يمكن أن يكون مستورداً بالكامل. وهو ما يعيدنا إلى الاحتجاجات داخل إيران، التي يزعم كثيرون أنها خفَتَت بعد القمع الوحشي.

هذا التوصيف، برأي المراقبين، مضلِّل. فالاحتجاجات لم تنتهِ، بل تغيّرت. الغضب لم يتبدّد، بل ازداد عمقاً بعد المجزرة. وما بدأ احتجاجاً اقتصادياً على شروط العيش، يتحوّل اليوم في الوعي الجمعي إلى مسار أعمق، يذكّر بمراحل سبقت تحوّلات كبرى في تاريخ المنطقة.

الاحتجاج لم يختفِ من الشارع، بل دخل إلى البيوت، وانتظر. اختبأ موقتاً، بانتظار لحظة تُضعف أجهزة القمع وتمنحه زخماً جديداً. وفي هذا السياق، يلفت مراقبون إلى أن السيناريو الأكثر جدّية المطروح حالياً أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يقوم على اتخاذ قرار بضربة عسكرية تُسقط النظام الإيراني فوراً، بل على خيار أكثر تعقيداً وتدرّجاً: استهداف مواقع وأدوات من شأنها إضعاف بنية النظام القمعية، وفي الوقت نفسه تقوية المجتمع الإيراني في مواجهته، عبر طمأنته إلى أنه لن يُترك وحيداً أو يُدفع إلى مواجهة يعرف سلفاً أنها ستنتهي بالموت المجاني.

وضمن هذا المنطق، اختبرت إسرائيل خلال حرب الأيام الإثني عشر هذا المسار، عبر توجيه ضربات عسكرية مركّزة طاولت أكثر أدوات القمع اندفاعاً، فاستهدفت سجناً سيّئ السمعة، إلى جانب مراكز تابعة للحرس الثوري وقوات "الباسيج". غير أن هذا التوجّه لم يستمر طويلاً، إذ طلب ترامب من تل أبيب وقف هذه الضربات، خشية أن يؤدي استمرارها إلى إسقاط النظام الإيراني في توقيت يُربك التوازنات الإقليمية ويضر بمصالح الحلفاء، وخصوصاً  بعد اعتراضات قوية صدرت عن دول أساسية في مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى تركيا.

وعليه، لا تكمن المسألة في توقيت الضربة ولا في شكلها، بل في المسار السياسي–الأمني الذي يُعاد بناؤه في الشرق الأوسط. ما يجري ليس لحظة انفعال ولا قراراً تكتيكياً معزولاً، بل عملية ضغط مركّبة تهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوة، وضبط إيقاع التغيير من دون انفلاته. وفي هذا الإطار، يصبح سؤال "متى وكيف" أقل أهمية من سؤال "إلى أين". فالمؤكد أن الوقائع تتراكم، وأن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية مفتوحة، تُدار تحوّلاتها ببطء محسوب… لكن باتجاه لا لبس فيه!