.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
قبل 40 سنة (1986)، دُعيتُ إِلى بغداد للاشتراك في "مهرجان الـمِرْبَد" الشِعري. تابعتُ الجلساتِ جميعَها. لفَتَتْني فيها ومضاتٌ من الشعر، ولم تزعجْني مُطَوَّلاتٌ من النظْم، بقدْرِما راعني أَنْ راحَ شعراء في المهرجان يندُبون "لبنان الذي كان"، ويُطلقون عويلَ النُواح متفَجِّعين على "بيروت التي كانت". وحين جاءَ دوري، رفعتُ نُسخة قصيدتي على المنبر وقلتُ: "قبل أَن أُلقي عليكم قصيدتي، أَتوجَّهُ إِلى شعراء تعاقبوا قبلي على هذا المنبر وتباكَوا على لبنان وبيروت، لأَلْفِتَ انتباهَهم إِلى أَنَّ لبنان لم يمُت. وأَكثر: لا يموت. وأَكثرَ أَكثر: لن يموت، ولن يكون أَندلُسًا أُخرى. وبيروتُ التي ناحوا عليها متَباكين، هي العروسُ الرائعة التي ما احترقَ منها سوى فستان العرس، ولم يحترقْ وجهُ العروس".
قبل 6 سنوات، غداةَ انفجر المرفأ، تهاطلَت على الشاشات والمسارح أُغنيات ناحبة ناعبة تنعَى بيروت برخاوة غليظة وبُكائيَّات سخيفة، كأَنما بيروتُ انتهت في ذاك الانفجار، ولَو أَنَّ أَحبَّاء كثيرين لنا سقطوا في ذاك الانفجار ضحايا أَبرياء.
قبل أَيام، جاءَني مقطع فيديو سرَدَ فيه المذيع بُكائيَّةً جديدةً عن لبنان، متحدِّثًا عنه لا بصيغة الماضي وحسْب، بل بـ"الفعل الماضي الناقص" المحتاج اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوبًا، فإِذا الاسمُ يُرفَعُ رثاءً والخبرُ يُنصَبُ دعوةً إِلى الأَسى وتقديم العزاء... وبين ما جاء في ذاك المقطع: "كان يا ما كان... وطنٌ أَخضر، لوحةٌ من الأَلوان اسمُها لبنان.. كانت بيروت ستَّ الدنيا وزهرةَ الشرق... كانت جبيل، وكان شاطئُ صيدا وغروبُ صُوْر... وكانت جبالُ الشوف وأَوراقُ الأَرز، وكانت طرابلس وشلَّالات جزين، وكان وادي قاديشا وسهلُ البقاع، وكانت بعلبك وليالي تموز وفيروز ووديع الصافي، وكانت الطبيعةُ وكان الإِنسان... كان وطنًا أَخضر... خُذُوا كلَّ ما تريدون، وأَعيدوا لنا لبنان".