التّهديد بحرب أهليّة وبجرّ لبنان لحرب إسناد.. دوافع للدّولة لإقصاء "حزب الله" وإزالة الدّويلة
رفع "حزب الله" في الأشهر الأخيرة منسوب تهديداته بحرب أهلية إذا ما مضت الحكومة اللبنانية بتنفيذ قرارها سحب سلاحه بعدما أنهت دوره كمقاومة وبات يعتبر سلاحاً غير شرعي. ويصنف الحزب اليوم مجموعة مسلحة، وهو التوصيف الذي استخدمه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في مقابلة بمناسبة مرور سنة على انتخابه.
لكن السلطات اللبنانية لم تتعامل مع هذه التهديدات بالجدية الكافية، وهناك من يعتبرها تهويلاً من الحزب لممارسة الابتزاز السياسي. إلا أن واجب السلطات ألا تتهاون مع أي جهة مسلحة تعلن باستمرار ولاءها لجهة خارجية، وتحديداً للنظام الإيراني بقيادة الولي الفقيه.
لقد جدد الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم هذا الولاء في كلمته الأخيرة التي أعلن فيها قرار الحزب دخول حرب إسناد دعماً لإيران إذا ما تعرضت هي أو الولي الفقيه لأي اعتداء من الولايات المتحدة وإسرائيل. يعني هذا أن الحزب سيجر لبنان وشعبه إلى حرب مدمرة من جديد لمصلحة قوى خارجية، كما فعل سابقاً في حرب إسناد غزة التي لم تنقذ غزة أكثر مما قد تتمكن من إنقاذ إيران إذا ما اندلعت الحرب.
في علم الأمن الوطني، عندما يصدر تهديد أمني خطير من تنظيم مسلح، يجب تقييم هذا التهديد وجدّيته بناءً على أسس أو أسئلة معينة لتحديد مدى جديته:
• هل يملك التنظيم النية لتنفيذ التهديد؟
• هل يملك التنظيم القدرات العسكرية لتنفيذ التهديد؟
• هل تاريخ التنظيم يؤشر إلى سوابق في ما يهدد به؟
بالنسبة إلى السؤال الأول، فخطابات مسؤولي "حزب الله" التي تهدد بالحرب الأهلية تتكرر دائماً، وتترافق مع حملة تعبئة وتجييش طائفي ومذهبي تسعى لتوسيع الشرخ بين الطائفة الشيعية ومكوّنات الوطن والدولة. ويشن الحزب حملة إعلامية تشيطن رئاسة الحكومة ووزراء ومؤسسات أمنية، وأخيراً وجهت أسهمها ضد رئاسة الجمهورية.
ويتناسى إعلام الحزب مسؤولية قيادته عن اندلاع الحرب الأخيرة على لبنان، ويحمّل الدولة مسؤولية تداعياتها وتأخّر الإعمار. كما يستمر في محاولات إدخال الأموال والسلاح لبناء قدراته القتالية، ويرفض التخلي عن ترسانته شمال الليطاني رغم فقدانه وجوده العسكري مقابل إسرائيل جنوب الليطاني. التهديد المترافق مع تجييش القاعدة الحزبية يعتبر إظهار نية لتحرك يجري التحضير له. قد يكون كما يقول البعض وسيلة لحشد التأييد تحضيراً للانتخابات التشريعية المقبلة، لكن يجب ألا تستثنى الاحتمالات الأخرى، وهي النية بافتعال حرب أهلية.
بالنسبة إلى سؤال القدرة العسكرية، فالإجابة سهلة ويعترف بها "حزب الله". فهو أكثر الأحزاب تسليحاً وجاهزية وتنظيماً على الساحة اللبنانية، وبالتالي هو أكثر طرف جاهزية لحرب أهلية. ولقد عمد منذ 2008 إلى تعزيز انتشاره ووجوده العسكري وتوسيعهما في سائر المناطق اللبنانية، من الشمال حتى الجنوب مروراً بمناطق ذات أكثرية سنية أو درزية أو مسيحية. لا تملك أي من القوى الأخرى حجم هذا الانتشار ولا نوعية الأسلحة التي في ترسانة الحزب، وبالتالي، فهو يستطيع أن يسيطر على مساحات عدة عسكرياً إذا ما أراد ذلك. لكن الاحتفاظ بها جميعها هو شيء آخر. كما أن نجاح الإدارة السورية الجديدة بترسيخ سيطرتها على الدولة يشكل عائقاً أمام تسلم الحزب المزيد من الدعم العسكري من إيران. لكن لا يزال الحزب يحتفظ بقدرات عسكرية مهمة.
أما في ما يخص تاريخ الحزب، فهو لم يتردد عام 2008 من توجيه سلاحه نحو الداخل وتنفيذ هجوم واسع على بيروت قام فيه بمحاصرة رئاسة الحكومة وقصر قريطم وخاض معارك في الشوف وأوصل لبنان يومها إلى شفير حرب أهليه. وانتهت أحداث شهر أيار/مايو حينها بمؤتمر الدوحة الذي كرّس مكانة دويلة "حزب الله" داخل الدولة اللبنانية واستمر بالسيطرة عليها حتى الانتخابات الرئاسية الأخيرة بعد نهاية الحرب في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، كما شارك "حزب الله" بقوة في الحرب الأهلية السورية التي أخذت بعداً طائفياً بين العلويين والسنّة، وكان ذلك استجابة لأوامر طهران بالدفاع عن نظام بشار الأسد. كما أن بعض عناصر "حزب الله" متهمون، وبعضهم مدان من المحكمة الدولية في اغتيالات عدة لقيادات لبنانية. وبناءً عليه، فإن تاريخ الحزب يدينه من ناحية استعداده وإمكان إقدامه على أعمال عسكرية تؤدي إلى حرب أهلية.
وعليه، يجب على السلطات اللبنانية أن تأخذ تهديدات "حزب الله" ونشاطاته على محمل الجد، وتبدأ بأخذ إجراءات مثل جعل المؤسسات الأمنية والعسكرية تنفذ تدريبات تحاكي تحركات الحزب لإشعال حرب أهلية من أجل الاستعداد لها واستباقها عندما تحين الساعة. كما يجب عليها أن تطبق القوانين التي تجرّم التجييش المذهبي والتحريض على السلطة والتهديد بالحرب الأهلية. والأهم من ذلك، يجب أن تبدأ بتنفيذ خطوات سحب السلاح، بدءاً من العاصمة بيروت، تطبيقاً لاتفاق الطائف وقرارات الحكومة. وكلام المسؤولين عن حصر السلاح بدلاً من سحبه هو تراجع في الموقف يستشعر فيه "حزب الله" ضعف الدولة ويزيده تمرداً عليها.
وأهم ما جاء في كلام الرئيس جوزيف عون هو أن على "حزب الله" أن يختار بين أن يكون في الدولة أو خارجها. فلا يمكن للحزب أن يكون له نواب ووزراء وفي الوقت عينه يتمرد على قرارات الحكومة ويهدد بحرب أهلية ويعلن نيته جر لبنان لحرب جديدة دفاعاً عن إيران. وعلى رئيس الجمهورية والحكومة أن يوجها تهديداً واضحاً للحزب بأنه سيحاسب هذه المرة إذا ما جر لبنان إلى حرب جديدة مع إسرائيل أو حاول تهديد السلم الأهلي لحماية سلاحه. وعقوبة التمرد على السلطة هي إقصاؤه وأعضاءه من الدولة، فلا يستطيعون الترشح للانتخابات المقبلة ولا يكونون جزءاً من أي حكومة مستقبلاً. فإذا ما اختار الحزب الحرب يعني أنه اختار إيران، وحينها يكون هو اختار أن يكون خارج الدولة قولاً وعملاً. لتبقى الدولة اللبنانية وتستقر وتزدهر، لا بد للدويلة من أن تزول.
نبض