ينفجر... لا ينفجر!
هل العالم على وشك انفجار كبير أم أن تفاقم الأزمات سيؤدي إلى انفراجات لا بد منها لإنقاذ الكوكب من حروب لا تبقي ولا تذر؟
ما كان ينقص العالم إلّا وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية في ولاية ثانية متحرراً من المخاوف على مستقبله السياسي الذي سينتهي عملياً بنهاية ولايته الثانية ومعتبراً أن عليه الإسراع في فرض "فلسفته" على الأميركيين وعلى العالم قبل أن يدهمه الوقت.
يشبه وضع العالم اليوم وضعه قبيل الحرب العالمية الثانية، وإلى حد كبير وضعه غداة الثورة الصناعية واختناق الأسواق الأوروبية وبدء الحملات الاستعمارية في أفريقيا وآسيا وأميركا وأوقيانيا:
-بروز الموجات اليمينية المحافظة والأحزاب المتطرفة في معظم الدول الأوروبية وانتشار الأفكار العنصرية ومعاداة الأجانب وكراهية المهاجرين واستحضار التاريخ الأسود للنازية والفاشية والديكتاتوريات متعددة التوصيفات.
- عودة نزعات التوسع والهيمنة في أكثر من مكان في العالم لأسباب اقتصادية وقومية وتاريخية وانتقامية.
- الصراع على المواد الأولية، لا سيما المعادن الثمينة والنادرة لأهميتها المتزايدة في الصناعات المتطورة، وخصوصاً في الطاقة الحديثة.
- أزمة التجارة العالمية والتنافس الحاد بين الدول المنتجة على أسواق العالم، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين.
- سباق التسلح وتوسع إنتاج السلاح النووي من الدول العظمى الى دول في العالم الثالث.
-عودة فكرة المدى الحيوي إلى استراتيجيات الدول التي لم تعد مقتنعة بحدودها وغير مكتفية بها.
- صعود الأنظمة الأصولية، الدينية والقومية، مع ما تحمله من حنين إلى عصور ماضية بكل منجزاتها ومآسيها.
- الثورة التكنولوجية المتسارعة والذكاء الاصطناعي الذي سيغير وجه الصناعة وأساليب الإنتاج ويعيد توزيع الثروات وقلب أسواق العمل رأساً على عقب.
واقع العالم اليوم يحمل الكثير من عوامل التفجير، نظرة إلى خريطته تعطي فكرة عن ذلك:
حرب تتمدد من سنة إلى أخرى على الجبهة الروسية الأوكرانية من دون أفق لحل قريب، ومهما قيل من تبريرات، تندرج هذه الحرب في سياق التفكير الاستراتيجي الروسي بالمدى الحيوي للبلاد التي كانت يوماً قاطرة لاتحاد سوفياتي هائل وقبله لامبراطورية عظمى ودائماً قوة اقتصادية وعسكرية هائلة استعصت على كل الغزاة. هي حرب انجرّت إليها أوروبا (وأميركا) بالدعم العسكري والاستخباري والمالي المستنزف لاقتصاداتها باعتبار أوكرانيا خط الدفاع الأخير عن المنظومة الغربية وحلفها الأطلسي.
حروب الشرق الأوسط التي لا تنتهي في منطقة تختزن في جوفها الاحتياطي الأكبر عالمياً من النفط والغاز وتضم ثلاثة بلدان تحكمها أنظمة تعتنق عقيدة توسعية على خلفيات دينية واقتصادية وتاريخية: إسرائيل وتركيا وإيران. بلدان تبحث عن مدى حيوي في منطقة تعج بالصراعات الدينية والمذهبية الموغلة في عمق التاريخ حيث يتحول الدين إلى سبب للنزاعات والخلافات على الأرض وعلى السماء. أمبراطوريات وممالك تحاول إعادة التاريخ إلى الوراء آلاف ومئات السنين.
حرب التجارة بين أميركا والصين التي تشمل المعادن والصناعة بكل أنواعها والذكاء الاصطناعي والأسواق والممرات العالمية البحرية والبرية، في آسيا والقوقاز والبحار والمضائق وصولاً إلى المحيط المتجمد الشمالي.
حرب النفط والغاز إذ تعود بقوة بعد انكفاء سببه الصعود الكبير لمصادر الطاقة البديلة، فأميركا التي كانت تخلت عن النفط العالمي بعد تحقيق وفر في الإنتاج الضخري عادت إلى السوق العالمية مستوردة بعد وقف إنتاج الغاز الصخري المكلف مادياً وبيئياً، وعادت بذلك إلى سياسة السيطرة على مصادر النفط وطرق توريده، في الشرق الأوسط وفي فنزويلا وفي غيرهما لاحقاً. ويأتي تهديد ترامب بالحرب على إيران وحشده الأساطيل حولها في سياق حرب النفط العالمية أيضاً.
النزعة الأمبراطورية لدى الرئيس الأميركي بالسيطرة على العالم بقوة الاقتصاد والقوة العسكرية المتفوقة، وهي نزعة لا تبدو حتى الآن قابلة للجم، لا من الداخل الأميركي ولا من العالم الذي لم يجد حتى الآن طريقة للتعامل مع جموح الرئيس الأميركي وإن كانت أوروبا وكندا وبعض الدول الأخرى بدأت ترفع أصابعها في وجهه.
فيما يعيش العالم على وقع خطابات ترامب ومواقفه الغريبة تتقدم احتمالات الانفجار في أكثر من مكان، لكن الانفجار الكبير دونه محاذير يدركها ترامب أيضاً.
نبض