ترامب وإيران يُديران حلقة التصعيد باستعراض عوامل القوّة... والديبلوماسية
يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب حشد القوات حول إيران وكأن الحرب قائمة لا محالة. ويحرص في الوقت عينه على عدم إقفال الطرق أمام إمكان نجاح الديبلوماسية في تجنب صراع جديد في الشرق الأوسط. وترد طهران بإبراز كلفة المواجهة التي ستترتب على أميركا وإسرائيل إذا ما اندلعت حرب أخرى في المنطقة.
وعلى غير العادة، يجري الحوار بين أميركا وإيران هذه الأيام علناً، لا عبر القنوات الخلفية ولا في الغرف المغلقة. ويرفع ترامب سقف الثمن إلى ما هو "أسوأ بكثير" مما دفعته إيران خلال الحرب الإسرائيلية-الأميركية في حزيران/يونيو الماضي. ويحدّد أولوياته: اتفاق نووي جديد لا يمنح إيران أي حق في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، والحد من قدراتها الصاروخية ومن الدعم الذي تقدمه لحلفائها الإقليميين.
وإذا نجح ترامب في حمل إيران على التسليم بهذه الأولويات، يكون تهديده باستخدام "أسطوله الكبير والرائع"، على حد وصفه، قد أثمر تغييراً في سياسات النظام الإيراني، من دون الذهاب إلى المخاطرة بتورط عسكري طويل الأمد، لا سيما أن واشنطن لا ترى حتى الآن بديلاً جاهزاً للنظام الحالي، وفق ما أقر وزير الخارجية ماركو روبيو في شهادة أمام الكونغرس.
تدرك إيران جيداً ما يرمي إليه ترامب، من رغبة في "تغيير النظام" لا إسقاطه، وتحدد في المقابل سقف التنازلات الممكنة. ورد ذلك على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي، الذي قال: "نرحّب دوماً باتفاق نووي عادل ومنصف ومفيد للطرفين - على قدم المساواة، ومن دون إكراه وتهديدات وترهيب - يضمن حقوق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية، ويضمن عدم امتلاكها أسلحة نووية". وبذلك، أسقط عراقجي بندي الصواريخ والنفوذ الإقليمي من جدول أعمال التفاوض.
وكي لا تظهر طهران كأنها باتت منزوعة من أوراق التفاوض، أعلنت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة أن إيران ستدافع عن نفسها إذا تعرّضت للهجوم "كما لم تفعل من قبل". ووضع علي شمخاني، مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، إسرائيل و"من يدعم" الهجوم الأميركي ضمن خريطة الرد الإيراني.

ماذا تملك إيران من عناصر القوة بعد؟
هناك تقارير في الصحافة الأميركية تتحدّث عن أنه على رغم الخسائر التي لحقت بإيران في حرب حزيران، فإنها تمتلك في الوقت الحاضر ألفي صاروخ متوسط المدى قادرة على ضرب إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة. هذا عدا عن ترسانة كبيرة من الصواريخ القصيرة المدى والمسيّرات والصواريخ المضادة للسفن وزوراق تُستخدم كطوربيدات.
وإن كان من المسلّم به أن ترامب لا يريد تكرار تجربتي أفغانستان والعراق، وإنما يغريه "النموذج الفنزويلي"، فإنه يبقي الأمور مفتوحة على تسوية مع النظام في إيران، ويقلب الخيارات المتاحة لتحقيق هذا الهدف من كافة الوجوه.
وتتخذ هذه الخيارات شكل التساؤلات عمّا إن كانت الضربات المحددة كافية لزعزعة النظام وإحداث انشقاقات من داخله؟ أم أن استهداف خامنئي يضعف النظام أكثر ويدفع من يخلفه إلى التفاوض أم إلى سلوك سياسة أكثر تشدداً؟ أم أن العودة إلى تغليظ العقوبات الاقتصادية هي الوسيلة الأفضل التي تدفع بالمتظاهرين للنزول مجدداً إلى الشوارع وصولاً إلى تكرار تجربة 1979؟
الأمر المؤكد أن تحقيق الديموقراطية يأتي في آخر أولويات ترامب، ولذا يعرض على النظام الإيراني تحت الضغط العسكري مقايضة صعبة، ألا وهي البقاء، في مقابل القبول بالتنازل عن التخصيب وتحجيم القوة الصاروخية والنفوذ الإقليمي.
ما هي حدود التنازلات التي تقدم عليها طهران؟ ذلك يتوقف على الحرب أو على الديبلوماسية.
نبض