بين الاختلاف والخلاف... الحكمة ضمان أمن الخليج

كتاب النهار 27-01-2026 | 04:03

بين الاختلاف والخلاف... الحكمة ضمان أمن الخليج

الحكمة السياسية اليوم ليست في غياب الاختلاف، بل في القدرة على ضبطه، وحمايته من التحول إلى خلاف مدمّر، يفتح المجال لتدخلات خارجية، ويدفع ثمنه الأمن والتنمية والاستقرار الاجتماعي للجميع.
بين الاختلاف والخلاف... الحكمة ضمان أمن الخليج
الخليج اليوم يواجه تحديات مركبة، وتحولات في النظام الدولي، وصراعات إقليمية مفتوحة
Smaller Bigger

الفارق واضح بين الاختلاف والخلاف؛ الأول محمود (تباين في الرأي داخل إطار جامع)، أما الثاني فمذموم (انتقال التباين من مستوى الرأي إلى مستوى الموقف العدائي) ويضعف القاعدة المشتركة بين الأطراف.

 

أهمية التكاتف بين دول الخليج تجعل المتابع يدعو إلى الاختلاف القابل للحلول، لا الخلاف المؤدي إلى القطيعة، لما يواجهه الإقليم من أخطار في بيئة متوحشة تنتظر فرصة الخلاف للانقضاض على المشتركات والتدخل السلبي في شؤون المنظومة الخليجية.

 

الاجتهاد في منع الخلاف ليس شعاراً سياسياً، بل خيار موضوعي فرضته الجغرافيا والتاريخ، ووشائج القربى، وطبيعة التحديات للجميع. فبين أقاليم العالم العربي كافة، يبقى الخليج الإقليم الذي نجا نسبياً من العواصف الكبرى، من الانقلابات العسكرية المدمّرة إلى تفتيت الدولة وانتشار ميليشيات داخلها، وصولاً إلى الفوضى التي عُرفت بـ"الربيع العربي".

 

هذه النجاة لم تكن مصادفة عابرة، بل نتيجة مسار صعب من بناء الدولة الحديثة وتجنيبها الهزات، وتعزيز فكرة الاستقرار والتكافل، وإدراك أن السياسة بلا مؤسسات تتحول إلى مغامرة، والدولة حين تُدار بردود الأفعال تصبح عرضة للاهتزاز.

 

لقد فهمت دول الخليج، بدرجات متفاوتة، القطيعة البنيوية والانكسار الهيكلي في العلاقات الدولية، وأن الحفاظ على الاستقرار هو في جانبين، الأول الحفاظ على التكاتف، والثاني بناء دولة حديثة لا تقف جامدة، بل تهندس إدارة التغيير، وتدير التكيف مع الواقع من دون كسر العمود الفقري للمجتمع والدولة والمنظومة الجامعة، ولا القفز في المجهول الذي دفعت بسببه شعوب أثماناً باهظة في أقاليم مجاورة.

 

التاريخ الحديث يقدم نماذج واضحة على خطورة المسار الخلافي. والواقع أن أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين مثال صارخ، إذ إن الاختلافات السياسية والاقتصادية بعد الحرب العالمية الأولى لم تُدر بحكمة، فتحولت إلى خلافات قومية حادة، غذّتها الشعبوية والخطابات المتطرفة، فانزلقت القارة إلى حرب عالمية ثانية دمّرت الإنسان والعمران، رغم أن أوروبا كانت آنذاك أكثر مناطق العالم تقدماً صناعياً ومعرفياً.
النموذج الثاني يتمثل في المنطقة العربية بعد الاستقلال. فقد تحولت الاختلافات بين النخب على أنماط الحكم وطرق التنمية، إلى خلافات، فدخل العسكر على الخط، وتعطلت السياسة، وتحولت الدولة إلى أداة قمع باسم الشعب. وكانت النتيجة عقوداً من التخلف، وحروباً أهلية، وضياعاً ممنهجا لفرص التنمية، لأن الاختلاف لم يُحتوَ داخل مؤسسات، بل استُثمر لإقصاء الآخر.

 

أما النموذج الثالث فهو يوغوسلافيا السابقة، دولة متعددة القوميات والأديان، كان يمكن أن تُدار بالتوافق، لكن الاختلاف السياسي فيها تحوّل إلى خلاف هوياتي دموي غذّته النخب الشعبوية، فانتهت الدولة إلى التفكك والصراع، ولا تزال آثاره الأمنية والاقتصادية والنفسية حاضرة في الإقليم حتى اليوم.

 

ولا يقلّ خطورة عن ذلك دور الإعلام غير المنضبط ومنصات التواصل الحديثة التي باتت تضخّم الاختلافات الطبيعية، وتحولها إلى أزمات مفتوحة عبر خطاب تعبوي سريع الانتشار، يختزل القضايا المعقدة في ثنائيات حادة، ويغذي الانفعال بدل العقل. وفي بيئة إقليمية حساسة كالخليج، يصبح هذا النمط من الخطاب عامل تهديد مباشر للأمن ولثقة المجتمعات بعضها ببعض.

 

في المقابل، تبرز تجارب نجحت في إدارة الاختلاف ومنع تحوّله إلى صراع. الاتحاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية مثال واضح، حيث قررت دول خاضت حروباً بينية مدمّرة أن تجعل الاختلاف تحت سقف المصالح المشتركة والمؤسسات، فحوّلت الصراع إلى شراكة، وأوجدت واحدة من أكبر مناطق الاستقرار والتنمية في العالم.

 

الخليج اليوم يواجه تحديات مركبة، وتحولات في النظام الدولي، وصراعات إقليمية مفتوحة، وضغوطاً اقتصادية مرتبطة بالطاقة والتحول الرقمي، ومحاولات دائمة لاختراق وحدته. وفي مثل هذا السياق، يصبح تحويل الاختلافات الطبيعية في بعض الملفات إلى خلافات حادة، ترفاً خطيراً يهدد الأمن والتنمية معاً. فقوة الخليج لم تكن يوماً في التطابق الكامل، بل في إدارة الاجتهادات داخل إطار مشترك، والإدراك أن ما يجمعه أكبر بكثير مما يفرقه.

 

الخليج لا يحتاج إلى إنكار الاختلاف، بل إلى عقلنة، كي لا يتحول إلى خلاف، وإبقائه تحت سقف الحوار والمؤسسات والمصالح المشتركة الكثيرة، لأن بين هذين المسارين يتحدد مستقبل الاستقرار، وتُحفظ المكتسبات، وتُفتح أبواب الربح للجميع، إذ إن الخيار الآخر كارثي.

 

ولعلّ تجربة مجلس التعاون الخليجي نفسها تقدم درساً مهماً في هذا السياق. فعلى الرغم مما شهده المجلس من أزمات واختلافات حادة في بعض المراحل، عولجت بحكمة وفي الإطار المؤسسي، وبقيت فكرة المصير المشترك حاضرة، وهو ما منع الانزلاق الكامل إلى القطيعة أو الصراع المفتوح.

 

لقد أثبتت التجربة الخليجية أن الاختلاف حين يُدار داخل مؤسسات، وبقنوات هادئة، يمكن احتواؤه، بل وتحويله أحياناً إلى فرصة للمراجعة وتصحيح المسار. أما حين يُترك الاختلاف بلا ضوابط، أو يُسحب إلى الشارع والإعلام، فإنه يفقد طابعه السياسي ويتحول إلى أزمة ثقة وخلاف يصعب ترميمها لاحقاً. من هنا، الحكمة السياسية اليوم ليست في غياب الاختلاف، بل في القدرة على ضبطه، وحمايته من التحول إلى خلاف مدمّر، يفتح المجال لتدخلات خارجية، ويدفع ثمنه الأمن والتنمية والاستقرار الاجتماعي للجميع.

 

التاريخ يثبت أن الانقسام الداخلي هو المدخل الأسهل لإضعاف الدول والمجتمعات والمنظمات الإقليمية، مهما بدت قوية ظاهرياً.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/25/2026 6:00:00 PM
مقتل المحامية الشابة زينة المجالي متأثرة بإصابات خطيرة تعرّضت لها داخل منزل العائلة في العاصمة عمّان.
المشرق-العربي 1/25/2026 8:00:00 PM
ماذا تفعل ابنة آصف شوكت في اجتماع وزاري بدمشق؟ الوزارة توضح وتضع ضوابط جديدة
اقتصاد وأعمال 1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
النهار تتحقق 1/26/2026 3:02:00 PM
حصدت الصورة عشرات آلاف المشاهدات، وآلافا عدة من اللايكات ومئات التعليقات، بينها لمستخدمين تساءلوا عن صحتها. ماذا وجدنا؟