نتنياهو يستفيد من غموض "مجلس السلام" للتصعيد ضد غزة وشلّ الأمم المتحدة
بين الأهداف التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لـ"مجلس السلام" الذي يترأسه، وبين تنفيذ المرحلة الثانية من خطته لغزة، يسود ما يكفي من الغموض الذي يتيح لإسرائيل التعلّل بكثير من الذرائع لعدم الانتقال الفعلي إلى هذه المرحلة.
جاء في المبررات التي ساقها ترامب لتأسيسه "مجلس السلام"، الذي كرّسه في دافوس بسويسرا أمس، أن الأمم المتحدة لم تقم بدورها في حلّ النزاعات في العالم كما ينص ميثاقها. وهنا وجد الوقت مناسباً ليكرر زعمه بوقف ثماني حروب في العالم منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل عام من الآن، على الرغم مما يحتويه هذا الزعم من مغالطات. فمنذ عام لم تكن ثمة حرب بين صربيا وكوسوفو، كذلك لم تنشب حرب بين مصر وإثيوبيا، والأمر يقتصر على التوتر بين البلدين بسبب الخلاف على سدّ النهضة الإثيوبي على النيل، كما أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ينفي أي دور لترامب في وقف الحرب مع باكستان العام الماضي.
ما يهم في هذا السياق أن فكرة "مجلس السلام" تضمنتها الخطة الأميركية لغزة، التي أعلنها ترامب في أيلول/سبتمبر من العام الماضي. وفوجئ العالم بأن ترامب، لدى إعلانه عن قيام المجلس الأسبوع الماضي، حرف هذه الهيئة عن مهمتها الأصلية، ووضع لها ميثاقاً يُعنى بحل النزاعات في العالم، من دون الإتيان على ذكر غزة إلا في مجلسين فرعيين.
وقبلت إسرائيل دعوة ترامب للانضمام إلى "مجلس السلام"، لأن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو يتشارك مع الرئيس الأميركي في ازدراء الأمم المتحدة ومؤسساتها. وهو سبق له أن اتهم المنظمة الدولية بالتحول إلى معقل لمعاداة السامية، بسبب قرارات اتخذتها الجمعية العامة تدعو إلى وقف الحرب في غزة وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر.

وتجلّى عداء إسرائيل للأمم المتحدة، ليس في عدم الامتثال لقراراتها فحسب، بل تعدّى ذلك إلى حظر أنشطة وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم "الأونروا"، بمزاعم لم تثبت صحتها حول مشاركة موظفين في الوكالة في هجوم "حماس" على غلاف غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. بل عمدت أجهزة الأمن الإسرائيلية إلى اقتحام مقر "الأونروا" في القدس الشرقية وإجلاء الموظفين منه، قبل أن تعمد الجرافات إلى هدمه. وجاء الإجراء الإسرائيلي، على الرغم من إصدار محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة حكماً في تشرين الأول/أكتوبر 2025 اعتبر أن "إسرائيل ملزمة بتسهيل" عمل الوكالة الأممية وصون ممتلكاتها.
ومنذ الإعلان عن "مجلس السلام" و"المجلس التأسيسي" له و"المجلس التنفيذي لغزة"، ضاعفت إسرائيل من انتهاكاتها لوقف النار في غزة، وعمدت الثلاثاء إلى توسيع منطقة سيطرتها في منطقة خان يونس، وقتلت الأربعاء 11 فلسطينياً بينهم ثلاثة صحافيين يعملون لحساب "لجنة الإغاثة المصرية". وترفض إسرائيل فتح معبر رفح قبل استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي، وتشترط للموافقة على قوة الاستقرار الدولية أن يُناط بالقوة مهمة نزع سلاح "حماس" وتدمير أنفاقها.
الآن، يختار نتنياهو من "مجلس السلام" ما يناسبه، ألا وهو مناكفة الأمم المتحدة وتهميشها، في نقطة تقاطع أخرى مع ترامب.
أما غزة، التي بُني على أساسها هذا الهيكل العالمي الجديد، فتغيب كأولوية، وتحل محلها غرينلاند وأوكرانيا ونزاعات أخرى أكثر من أن تُحصى أو تُعدّ.
نبض