غزة: لا حلول جذرية بل استقرار قابل للإدارة

كتاب النهار 23-01-2026 | 04:14
غزة: لا حلول جذرية بل استقرار قابل للإدارة
غزة لم تعد مجرد بؤرة صراع مزمن، بل تحولت بوضوح إلى حقل تجارب للنيات الدولية، تُختبر فوقه حدود الممكن السياسي، وقدرة القوى الكبرى على فرض نماذج جديدة لإدارة النزاعات بدل حلها...
غزة: لا حلول جذرية بل استقرار قابل للإدارة
غزة لا تحتاج فقط من يديرها، بل من يملك الشجاعة لكسر معادلة إدارتها إلى الأبد. (أ ف ب)
Smaller Bigger

غزة لم تعد مجرد بؤرة صراع مزمن، بل تحولت بوضوح إلى حقل تجارب للنيات الدولية، تُختبر فوقه حدود الممكن السياسي، وقدرة القوى الكبرى على فرض نماذج جديدة لإدارة النزاعات بدل حلها. إعلان تشكيل "مجلس السلام" لإدارة غزة، وما تبعه من تفاعلات إقليمية ودولية متسارعة، يكشف أن القضية لم تعد محصورة بالقطاع الفلسطيني وحده، بل باتت مرآة لتحولات أعمق في النظام الدولي نفسه، بين منطق التعددية التقليدية، ومحاولات إعادة هندسة السلام عبر أطر موازية تقودها قوة واحدة.

التطور الأبرز تمثّل في البيان المشترك الصادر عن وزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية، مصر، السعودية، قطر، الإمارات، الأردن، تركيا، إندونيسيا، وباكستان، والذي رحب بالدعوة الأميركية للانضمام إلى مجلس السلام، وأكد أن هدفه تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، ودعم إعادة إعمار غزة، والدفع نحو سلام عادل يضمن حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم وفق القانون الدولي. هذا الموقف الجماعي لا يمكن قراءته بوصفه تفويضاً مفتوحاً، بل كرهان محسوب على أن الانخراط أفضل من ترك الساحة تُدار بالكامل بمنطق أحادي.

في هذا السياق، جاء لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دافوس ليعكس هذه البراغماتية السياسية، ترحيب مصري بالانضمام إلى المجلس، مع تأكيد أن نجاح المرحلة الثانية يتطلب تحركاً إيجابياً وتعاوناً كاملاً، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الثوابت المتعلقة بالقضية الفلسطينية أو دور الدولة الوطنية في حفظ الاستقرار. الموقف المصري، هنا، يعكس قراءة ناضجة، المشاركة لتقليل المخاطر، لا لمنح شيك على بياض.

في المقابل، يبرز الاتحاد الأوروبي بوصفه الحاضر الغائب. فبينما ترفض دول أوروبية وازنة مثل فرنسا وألمانيا والسويد والنرويج وإيطاليا الانضمام إلى المجلس بصيغته الحالية، خشية تقويض دور الأمم المتحدة، فإن أوروبا تبدو عالقة في مأزق صامت. هي لا تستطيع مواجهة واشنطن علناً، ولا ترغب في أن تُقصى من ترتيبات قد تعيد تشكيل شرق المتوسط، لكنها تكتفي حتى الآن بالدعم الإنساني والمالي، من دون اشتباك سياسي حقيقي مع جوهر المبادرة. هذه المقاربة قد تجعل أوروبا شريكاً في إدارة الأزمة، لا في صوغ الحل، وتترك فراغاً سياسياً تملؤه ترتيبات انتقالية طويلة الأمد.

أما فلسطينياً، فتقف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي يُقدَّم تشكيلها كجسم تكنوقراطي مستقل، في منطقة وسطى بين الواقعية والقيود. هي محاولة لكسر ثنائية "حماس أو الاحتلال"، لكنها تظل رهينة شروط قاسية: استمرار وقف النار، فتح المعابر، ومنحها سلطة فعلية لا شكلية. التجربة التاريخية في غزة تقول بوضوح إن أي إدارة مدنية بلا أفق سياسي وبلا ضمانات أمنية دولية ستظل هشة، مهما حسنت نيات القائمين عليها.

اللافت في "مجلس السلام" ليس فقط اتساع قاعدة الدول التي قبلت الدعوة، إذ تحدث المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف عن قبول ما بين 20 و25 قائداً عالمياً، بل طبيعة المجلس نفسه. فالميثاق يمنح دونالد ترامب رئاسة مؤسِّسة مدى الحياة، مع صلاحيات واسعة تشمل دعوة الأعضاء، وتمديد عضويتهم أو إنهائها، وحق النقض العملي على القرارات. كما يربط العضوية الدائمة بشرط مالي صريح: دفع مليار دولار خلال السنة الأولى. هذه الصيغة تطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الشرعية: هل نحن أمام إطار دولي، أم نادٍ سياسي–مالي تُدار فيه ملفات النزاعات بمنطق النفوذ والقدرة على الدفع؟

الأمر لا يتوقف عند غزة. فالميثاق التأسيسي، كما تسرّب إلى الإعلام، لا يذكر القطاع صراحة، ويتحدث عن دور عالمي للمجلس في "المناطق المتضررة من النزاعات"، ما يعزز المخاوف الأوروبية من أن المبادرة تمثل بديلاً موازياً للأمم المتحدة أكثر من كونها آلية مساندة لها. وهو ما يفسر رفض دول مثل فرنسا، التي ترى أن تجاوز هيكلية المنظمة الدولية يضعف فكرة التعددية ويُسيّس السلام بدل تدويله.

إسرائيلياً، جاء الموقف ملتبساً، قبول مبدئي بعضوية المجلس، يقابله اعتراض واضح على تشكيل المجلس التنفيذي لغزة من دون تنسيق، خصوصاً مع وجود دور تركي ترفضه تل أبيب بشدة. هذا يعكس التناقض الإسرائيلي التقليدي: الرغبة في ضبط الوضع الأمني في غزة، من دون القبول بأي إطار قد يحد من حرية الحركة أو يفرض شراكات غير مرغوبة.

في جوهر الصورة، يتضح أن ما يجري ليس اختراقاً استراتيجياً بقدر ما هو إدارة انتقالية أكثر إحكاماً. ترامب لا يسعى إلى حل جذري بقدر ما يبحث عن "استقرار قابل للإدارة"، يخفف الضغط الدولي ويمنع الانفجار، وربما يفتح الباب أمام توظيف المجلس لاحقاً في نزاعات أخرى. إسرائيل تريد أمناً وسيطرة، لا إدارة دولية كاملة. الفلسطينيون يريدون حياة طبيعية، من دون أن يُختزلوا إلى ملف إنساني دائم. أوروبا تخشى التهميش، لكنها مترددة. والدول العربية اختارت الانخراط لتعديل المسار من الداخل.

السؤال الحقيقي، إذن، لم يعد: من يدير غزة؟ بل: هل تُدار غزة موقتاً تمهيداً لكسر الحلقة، أم تُدار إلى أجل غير مسمى تحت مسميات جديدة؟ حتى الآن، المؤشرات تقول إننا ما زلنا داخل الدائرة ذاتها، لكن بجدران أكثر نعومة، وخطاب أكثر براعة، وأسماء أكثر بريقاً. قد ينجح مجلس السلام في تثبيت وقف النار، وتنظيم الإغاثة، وبدء إعمار مضبوط، وربما تفكيك بعض مصادر العنف. لكنه لن يصبح سلاماً حقيقياً ما لم تتحول الإدارة إلى سياسة، والهدنة إلى أفق، والقوة إلى شرعية تستند إلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

غزة لا تحتاج من يديرها فحسب، بل من يملك الشجاعة لكسر معادلة إدارتها إلى الأبد.