.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عندما أعلن ربان طائرة الخطوط التركية، الآتية من إسطنبول، عن قرب الهبوط في مطار معيتيقة الدولي بطرابلس، بدت مجموعة من الطائرات المدنية والعسكرية محطَّمة، وأخرى متآكلة وصدئة، متناثرة هنا وهناك.
عادت بي ذاكرتي القهقرى إلى كانون الأول/ديسمبر 1991، حين سافرت إلى ليبيا لإنجاز تحقيقات صحافية عن هذا البلد المغاربي عشية استعداده لمواجهة حصار غربي قاسٍ. لكن هذه المرة تعلّق الأمر بمطار طرابلس الدولي، الذي توقف العمل فيه بعد اندلاع فوضى "الربيع العربي" عام 2011. انتابني آنذاك إحساس غريب بأنني أمام مخلّفات غارة جوية وقعت حديثاً، والظاهر أن المطار لم يكن سوى متحف عشوائي لتاريخ حركة الطيران الليبي، وأنه يشبه المطار البديل "معيتيقة"، باعتبارهما معاً يشكّلان مقبرة لطائرات أصبحت من المتلاشيات.
بدت الحياة عادية في طرابلس، بعد إعلان الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1991، تحميل ليبيا مسؤولية حادث تفجير طائرة "بان أميركان" فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية، عام 1988، وكانت الشعارات المستقاة من "الكتاب الأخضر" تغطي بنايات المدينة. سألت مواطناً ليبياً عن الأوضاع العامة في ظل تلك الظروف، فأجاب باقتضاب شديد لا يشفي الغليل، قبل أن يغيّر حديثه بلباقة وحذر ليعبّر عن رغبته الجامحة في زيارة المغرب.
لا شيء في طرابلس يُشبع الفضول وحب الاستطلاع الصحافي، خصوصاً إذا كان المجيء إلى ليبيا من دون دعوة رسمية. في مثل هذا الوضع، لا منقذ سوى المذياع، إذ لا مفر من اللجوء إلى إذاعة "الوطن العربي الكبير"، لسان حال "اللجان الثورية"، باعتبارها الوحيدة القادرة على تزويد الصحافي الزائر بنذرٍ قليل من المعلومات التي قد تساعده، إلى حد ما، على القيام بمهمته، أو اللجوء عند الضرورة إلى القناة التلفزيونية الليبية الوحيدة. بيد أن ذلك لا يغيّر في الأمر شروى نقير.
إن الحصول على خبر في طرابلس، تلك الأيام، كان أشبه بالبحث عن إبرة في كومة كبيرة من القشّ. أما الإعلام الليبي فبدا مهتماً بالحرب في منطقة البلقان، وتدهور الأوضاع في زائير، وتنظيم ندوة عن المرأة في الفيليبين، تحت إشراف المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر. ولمعرفة ما يجري في ليبيا، ظلت الإذاعات الأجنبية المصدر الوحيد لذلك، إلا أن الغالبية منها كانت تتعرض لتشويش كبير.